الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥١
كافية، عمدت مدن- الدولة هذه إلى بناء قوتها العسكرية، و سرعان ما انتقلت بدورها من الدفاع إلى الهجوم مع احتدام التناقض، سواء مع الجماعات الغازية، أو مع المدن الأخرى المنافسة، بشأن الأرض أو الموارد أو من أجل الهيمنة. و تحولت الآلة العسكرية إلى حاضنة للسلطة، و من صفوفها برز الملوك، و بسيوفها فرضوا سلطانهم و هيبتهم، و بدماء جنودها حققوا أحلامهم التوسعية.
و المدن السومرية، التي قامت و رسالتها خدمة الإله، مالك الأرض، و واهب نعم السماء، و بالتالي تمحورت حول الهيكل، حيث يقيم وكلاء الإله- الكهنة- و يديرون شؤون ملكه، تحولت مع الزمن، و بتطور متدرج، يحكمه التفاعل بين الذاتي و الموضوعي، إلى مراكز للسلطة، تتمحور الحياة فيها حول بلاط الملك. و إذ لم يختف الهيكل و كهنته، فإنهما أصبحا في خدمة الملك، الذي صار نائب الإله على الأرض، بل تجسيده المادي، أو هو نفسه أحيانا. و هكذا تنازلت المدن السومرية، بقيادة الكهنة، و بمجتمعها القائم على استرضاء الآلهة بدلا من الحرب، عن مكانها لمدن الدولة العسكرية، لأنها لم تكن في موقع يؤهلها للتعامل الناجع مع الغزاة من القبائل الرحالة، التي كانت تجيد مهنة القتال، و لا تتورّع عن الحرب في سبيل العيش الرغيد كسادة لسكان المدن.
و النمط السياسي الذي ساد في فلسطين في بداية عصر المدن، كان شبيها إلى حد كبير بذلك الذي قام في العراق، لكنه تباين عن النمط المصري، إذ كان الانقسام في البداية بين الشمال و الجنوب، مصر العليا في مواجهة مصر السفلى. لقد توحدت مصر في بداية الألف الثالث قبل الميلاد، و قامت السلالة الأولى، مبتدئة بذلك سلسلة طويلة من السلالات، و كذلك جرى في العراق، إذ تواكبت عملية التوحيد مع بدايات التوسع الإمبراطوري. و حتى في شمال سورية قامت مراكز مدينية كبيرة: ماري و إبلا، و غيرهما، بينما حافظت المدن الفلسطينية على استقلالها، و بالتالي، على تواضع دورها الحضاري بالنسبة إلى كل من العراق و مصر و سورية.
و المدن (التلال) الفلسطينية من عصر البرونز المبكر المنتشرة في جميع أرجاء البلد، كانت على العموم تقع في نقاط استراتيجية، تسيطر على المروج، أو على طرق التجارة الدولية القديمة. و يقدر عدد المواقع التي تعود إلى هذا العصر في فلسطين بنحو ٩٠٠ مستوطنة، منها نحو ٢٠ مدينة كبيرة، و يقدر عدد سكانها مجتمعة بنحو ٠٠٠، ١٥٠ نسمة. و تشير الدلائل المادية على أنها كانت مزدهرة، و تمتعت بتنظيم محلي جيد، و أدارت تجارة دولية ناجحة، فضلا عن الزراعة و الصناعة، لكنها، في مقابل مدن العراق مثلا، تبقى صغيرة الحجم و الأهمية. ففي الوركاء (أوروك)