الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٥٠
فالإمبراطورية، نتيجة ما ولّده ازدهار المدن من تحوّلات اجتماعية داخلية، و ما نجم عن هذه التحولات من صوغ للعلاقات الخارجية، سلمية أو عدائية، ظلت بلاد الشام، و لأسبابها الخاصة أيضا، تراوح في مرحلة مدن- الدولة. و لمّا كانت الكتابة، و بالتالي الدخول إلى عصر التاريخ، تعبيرا عن هذا التطور، أولا في العراق، و من ثمّ في مصر، فقد تخلفت بطبيعة الحال مدن- الدولة في بلاد الشام عنهما في هذا المضمار. و لكنه لا بدّ من الإشارة إلى أن حفريات جديدة في سورية و فلسطين، كما هو الحال في إبلا، قد تغيّر هذا الاستنتاج الشائع حتى الآن، و المؤشرات في سورية واعدة أكثر منها في فلسطين.
و بناء عليه، فإنه عدا ما تكشفه الحفريات عن أوضاع المدن الأولى في فلسطين، هناك القليل من المعلومات التي توفرها الوثائق المكتوبة التي عثر عليها في العراق و مصر. و هذه الوثائق، نظرا إلى طبيعتها، و أولويات اهتمام كتّابها، فضلا عن قلتها، لا تساعد كثيرا على إيجاد الأجوبة للأسئلة التي تطرحها نتائج التنقيبات الأثرية، كأعراض التغيّر الحضاري و الحرب و تدمير المدن و القرى و إعادة بنائها ...
إلخ. و لعل الوضع في شمال بلاد الشام أفضل حالا على هذا الصعيد من جنوبها، و ذلك بفضل الوثائق التي اكتشفت في ماري (تل الحريري) و لاحقا في إبلا (تل مرديخ)، و كذلك في جبيل (بيبلوس) و أوغاريت (رأس الشمرا) و غيرها.
و مع ذلك، فإن ما يتوفر لدينا من معلومات يؤكد أن ثورة عصر المدن قد طالت فلسطين بكل أبعادها- السكانية و المادية و الروحية و العمرانية ... إلخ. و باستثناء الوحدة السياسية، التي لم تتحقق قط خلال هذه العصور، فإن المدن الفلسطينية امتلكت كل السمات الأساسية لتلك التي برزت في العراق و مصر. فقد راح عدد سكانها يزداد، و رقعتها تتسع، و تخطيطها يرتقي، و تحصيناتها تعلو، و أبنيتها المركزية تشمخ، و مرافقها تتطور. و الأكيد أنه جنبا إلى جنب مع هذه التحوّلات، تطورت العلاقات الاجتماعية، و تميّزت الطبقات، و استقرت التراتبية السلطوية. و معها تعمقت مركزية النظام السياسي، و كذلك الاستقطاب الاجتماعي، من قمة الهرم- النبلاء- إلى قاعدته- العبيد- و ما بينهما- تجار و جنود و مزارعون و حرفيون- و في موقع خاص، الكهنة و الكتبة و الإداريون.
و الصراع التناحري الذي نشب بين سكان هذه المدن، الذين ينعمون باستقرار الحياة فيها و ازدهارها، و بين الجماعات البدوية، المتجولة على أطراف مجالها الحيوي، و المتربصة على الدوام بها، تتحين الفرص للانقضاض عليها، قد حفز بالضرورة سكان تلك المدن على إقامة التحصينات الدفاعية. و لمّا لم تعد الأسوار