الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٨١
الثاني/ نوفمبر ١٩٣٨ م)، يعلن تخليها عن مشروع التقسيم. و برّرت الحكومة هذا الانعطاف بالموقف بما يلي: «بعد إنعام النظر و التدقيق في تقرير لجنة التقسيم، أظهر هذا التحقيق الإضافي أن الصعاب السياسية و الإدارية و المالية التي ينطوي عليها الاقتراح ... عظيمة لدرجة يكون معها هذا الحل للمعضلة غير عملي، و لذا فإن حكومة جلالته ستواصل القيام بمسؤولياتها في حكم فلسطين بأجمعها.»[١] و لتحقيق التفاهم بين أطراف الصراع في فلسطين، الذي عادت لتعتبره الأساس الأكثر ثباتا للحل، قررت الحكومة دعوة وفود من فلسطين و الدول العربية و الوكالة اليهودية إلى التداول بالمسألة الفلسطينية. و حذرت من أنها ستتخذ قرارها الخاص و تنفذه، إذا لم تسفر مباحثات لندن عن أي اتفاق.
و في الواقع، فإن هذا الانعطاف في السياسة البريطانية، جاء نتيجة تضافر عوامل متعددة، و ضغوط مورست عليها في مرحلة كان يلوح في الأفق شبح حرب عالمية.
فالثورة في فلسطين لا تزال مستمرة، و حتى في حال قمعها بالقوة، فلا ضمانة أن البلاد ستخلد إلى الهدوء، أخذا في الاعتبار تجربة عشرين عاما من الانتداب. و من الأهمية بمكان، ما حركته الثورة من ردات فعل في الأقطار العربية و الإسلامية التي كانت بريطانيا في أشد الحاجة إلى إرضائها إذا نشبت حرب عالمية جديدة. و لكن في المقابل، كانت الحركة الصهيونية و ما تستطيع حشده من دعم للضغط على حكومة لندن، سواء في الداخل أو الخارج، و خصوصا في أميركا. و هذا فضلا عن الحملة الإعلامية التي تقوم بها على الصعيد العالمي، مستفيدة من السياسة النازية ضد اليهود.
و إزاء مجمل هذه العوامل، و ما تصطدم به الحلول المتداولة من عقبات، كان الحل الأفضل أمام الحكومة البريطانية تأجيل المسألة، و إبقاء الوضع على حاله، و تحاشي الإقدام على حلول جذرية، و الاكتفاء بمعالجة الأوضاع الناشئة، و ترك القضية تنضج على نار هادئة.
لقد حركت الثورة الفلسطينية القوى الوطنية في البلاد العربية، و سببت إحراجا للحكومات بحيث لم يعد سكوتها على القمع الذي تمارسه بريطانيا على الشعب الفلسطيني مقبولا. و عقد في القاهرة المؤتمر البرلماني العربي و الإسلامي من ٧ إلى ١١ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٣٨ م بدعوة من اللجنة البرلمانية المصرية لدعم فلسطين، برئاسة محمد علي علوبة. و حضره مندوبون من فلسطين و شرق الأردن و سورية و لبنان و العراق و مصر و المغرب و اليمن و الهند و الصين و يوغسلافيا و أميركا. و تبعه انعقاد
[١]« الموسوعة الفلسطينية»، القسم الثاني، المجلد الثاني، مصدر سبق ذكره، ص ١٠٥٢.