الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٧٩
١٩٣٦ م، فإنها عمدت إلى تعزيز قواتها العسكرية في فلسطين. فاستدعت تيغارت لتنظيم الحرب ضد الثورة، و حشدت في البلد فرقتين، اشتملتا على ١٨ كتيبة مشاة و كتيبتي فرسان و كتيبة مدرعات و كتيبة مدفعية، و جميع الوحدات الملحقة بها. هذا فضلا عن الشرطة و الوحدات الليلية الخاصة من الهاغاناه، و التي تعززت، و عمل فيها ضباط بريطانيون و عناصر يهودية. و بذلك، بدأت مرحلة جديدة و حاسمة في الصراع، يقودها الجنرال روبرت هايننغ، الذي حل محل و يفل (٩ نيسان/ أبريل ١٩٣٨ م).
و في هذه المرحلة بالذات، و بعد الطفرة الكبيرة في نشاط الثورة و اتساع نطاقها، بدأت تبرز سلبيات اللامركزية و «الانفلاش» التنظيمي، بما يرافقه من تدني الانضباط، في غياب قيادة سياسية موحدة على مسرح الأحداث. لقد صعدت الحكومة البريطانية حدة الصراع بهدف حسمه، و استطاعت جرّ الثورة إلى التكتيكات التي أرادتها.
و استغلت نقاط الضعف في الثورة، و خصوصا من الناحية التنظيمية و المسلكية.
و إذ كانت وحدة الموقف السياسي لا تزال هي السمة البارزة للثورة، فإن الوحدة التنظيمية راحت تغيب، و معها الانضباط، و خصوصا نتيجة تعذر الإمكان لتوفير مستلزمات الاستمرار في الثورة، من دون تحميل الجماهير عبئا ثقيلا. و في النتيجة، تضافرت عوامل عدة، موضوعية و ذاتية، و بالأخص تنظيمية و قيادية، لتجعل الثورة عاجزة عن القيام بالعمل النضالي القادر على مواجهة متطلبات المرحلة الجديدة. و في غياب الوحدة التنظيمية، و تدني المسلكية الثورية، و انعدام الديمقراطية، سواء في اتخاذ القرار أو تنفيذه، بدأ التراجع في الثورة. و في هذه المرحلة بالذات و إزاء التعزيزات العسكرية الضخمة التي وصلت إلى البلاد، و قبل تهيّؤ أوضاع الثورة، شكلا و مضمونا، عمدت إلى مهاجمة المدن، بهدف السيطرة عليها، الأمر الذي تمخض عن نتائج سلبية- داخليا و خارجيا.
و في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٣٨ م، و في أثناء وجود المندوب السامي في لندن، اتخذ قرار تصفية الثورة الفلسطينية تحسبا لاندلاع الحرب مع ألمانيا، و نقلت فرقة عسكرية أخرى إلى فلسطين على عجل. و وصف بعض البريطانيين الخطة أنها «احتلال فلسطين عسكريا من جديد، و إعادة الحكم البريطاني إليها.» و لذلك وضعت البلاد كلها تحت الحكم العسكري، بينما راحت الحكومة تنشط اتصالاتها لإجراء مفاوضات مع العرب، الذين كانت تطمع في إبقائهم إلى جانبها في حال نشوب الحرب. و كان من معارك «الاحتلال الجديد» الأولى معركة بني نعيم، إذ بالتعاون مع «فصائل السلام»، التي شكلها حزب الدفاع لمساندة قوات السلطة، أنزل الجيش ضربة قوية بالثوار في منطقة الخليل (٤ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٣٨)، و أصيب عبد القادر الحسيني، قائد