الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٧٨
جميع أرجاء البلاد، و كانت اللامركزية في هذه المرحلة تؤدي دورا إيجابيا في الصراع المحتدم. و في آب/ أغسطس ١٩٣٨ م، بلغت الثورة ذروتها، بعد الأعداد الكبيرة التي التحقت بها من أبناء القرى، و سيطرت على طرق البلد و ريفه و أحياء من مدنه. و قد تواكب ذلك مع توتر الوضع السياسي في أوروبا، في إثر «أزمة تشيكوسلوفاكيا» (أيلول/ سبتمبر ١٩٣٨ م)، و لم تعد بريطانيا قادرة على حشد مزيد من قواتها في فلسطين، بل على العكس، أخذت تسحب منها إلى مصر و بريطانيا و أوروبا. و كانت مشاركة الهاغاناه في القتال إلى جانب الجيش، و الأعمال الإرهابية العشوائية التي قامت بها المنظمة العسكرية القومية (إرغون تسفائي لئومي) في حيفا و يافا و القدس و غيرها، حافزا على التفاف الجماهير الفلسطينية الواسعة حول الثورة.
و يصف تقرير عسكري الوضع في البلاد في تلك الفترة (آب/ أغسطس ١٩٣٨ م) كما يلي: «أحرقت محطات القطار بين القدس و اللد جميعها، و كذلك معظم المحطات الواقعة بين اللد و الحدود المصرية. و وقعت غارات(raids) على بئر السبع، و الخليل، و بيت لحم، و أريحا، و رام اللّه، أحرقت خلالها مكاتب البريد و البلديات و مراكز الشرطة و ما شابه ذلك. و هوجم، بصورة خاصة، مركز الشرطة في هذه المنطقة، و وقعت كمية كبيرة من الأسلحة و الذخيرة في يد الثوار. و كان يخدم في معظم مراكز الشرطة شرطة عرب مشكوك في ولائهم، و لذا جرّدوا من أسلحتهم.
و نظرا إلى عدم وجود شرطة بريطانيين للحلول محلهم، فقد أغلقت مراكز الشرطة في المنطقة، باستثناء مركزي غزة و الخليل اللتين كانت تعسكر فيهما سرايا الجيش ....
و باستثناء طرق المواصلات الرئيسية و الأمكنة التي كان يعسكر فيها الجيش، فقدت الحكومة عمليا السيطرة على مناطق واسعة في البلد.»[١]
إزاء هذه الأوضاع، و إذ انتهت، و لو مرحليا، أزمة تشيكوسلوفاكيا (اتفاقية ميونخ)، عادت الحكومة البريطانية لتفرض هيبتها على البلد. فاستدعت في ٥ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٣٨ م المندوب السامي، سير هارولد مكمايكل، الذي حل محل واكهوب (آذار/ مارس ١٩٣٨ م)، إلى لندن للتشاور في الإجراءات. و أفاد مكمايكل أن سياسة القبضة القوية لم تحقق الهدف منها، و أنه لا يمكن إخماد الثورة من دون تنازلات سياسية كبيرة للعرب. فقررت الحكومة العمل في اتجاهين في آن معا: حرب شعواء على العصابات، و الشروع في تحقيق مصالحة سياسية مع الزعماء العرب.
و بينما عادت الحكومة البريطانية إلى التكتيك السياسي الذي اتبعته في صيف سنة
[١] المصدر نفسه، ص ١٦٣.