الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٧
المدن الأولى المزدهرة الصدام مع الغزاة، و من ثمّ، بعد توسعها، الصراع بين بعضها البعض. و عندما صارت الحرب نهجا، تشكلت التحالفات، و انتهت بانتصار هذا الطرف أو ذاك، و بالتالي إخضاع الآخرين، و ما يستتبعه من تمرد على المحتل عندما تلوح الفرصة. و بسبب الانفتاح على المحيط، سلبا أو إيجابا، تبلورت في العراق مبكرا فكرة الإمبراطورية الكونية، و تلقت بلاد الشام- التي بسبب تنوّع تضاريسها الطبيعية غابت عوامل الوحدة السياسية بين مدنها- الصدمة الأولى المعروفة تاريخيا لهذه النزعة لدى الكيانات السياسية الكبيرة التي قامت في العراق.
في المقابل، و خلال فترة قصيرة بعد ازدهار حضارة وادي الرافدين، و ما نجم عن ذلك داخليا و خارجيا، برزت حضارة مثيلة في وادي النيل. و بسبب الفوارق في الأوضاع الطبيعية، و كذلك عوامل النشأة و التطور، تباينت الحضارة المصرية، شكلا و مضمونا، عن الحضارة العراقية. و بناء عليه، تباين أثر كل منهما في بلاد الشام، الواقعة في الوسط بينهما، فكانت تشكل أحيانا حاجزا يفصلهما، و أخرى جسرا يجمعهما، سلما أو حربا. و عزلة وادي النيل الخصيب، التي فرضتها الصحارى الواسعة، أكانت من الشرق أم من الغرب، تركت آثارها الواضحة في سلوك الدولة المركزية المصرية، داخليا و خارجيا، بما في ذلك بلاد الشام. و إذ كان النيل العظيم عامل وحدة رئيسيا لواديه، فإن رتابة دورة فيضانه، و بالتالي انتظام الدورة الزراعية على ضفافه، فضلا عن الحواجز الطبيعية التي قلصت فعل المؤثرات الخارجية فيه، جعلت التطور السياسي في وادي النيل أكثر استقرارا منه في العراق.
و مع ذلك، و على الرغم من الفوارق في أوضاع النشأة، و بالتالي في مسالك التطور بين حضارتي العراق و مصر، فإن ازدهارهما المتزامن في الشرق الأدنى القديم، جعل الصراع بينهما حتميا، كما جعل من بلاد الشام ساحة لهذا الصراع.
و بناء على ذلك، فإن تاريخ المنطقة، و لعصور طويلة، يجب أن يروى أساسا من مفهوم التفاعل، سلبا أو إيجابا، بين هذين المركزين الحضاريين، بما يتركه ذلك من أثر في بلاد الشام، بدويلاتها المتعددة، و ردات فعلها على حركة هذين القطبين. و في الواقع، قامت مدن كثيرة في بلاد الشام، معاصرة للمدن في كل من العراق و مصر، لكنها ظلت أصغر حجما و فعلا، و أقل قوة و أثرا.
أولا: عصر المدن الأولى
يكشف علم الآثار أن الكثير من مدن فلسطين التاريخية المهمة قد بنيت في عصر البرونز القديم، أي بداية الألف الثالث قبل الميلاد. لكننا لا نملك حتى الآن