الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٦٣
و حل الجنود محل الشرطة، التي امتنع ضباطها و أفرادها العرب من تنفيذ الأوامر، و خصوصا بعد تهديم يافا القديمة، إذ راح الكثيرون منهم يتعاونون مع الثوار. و بعد تعزيز القوات العسكرية في المدن، تحول الثوار إلى الريف، إذ انضموا إلى العصابات الكثيرة التي كانت تعمل هناك. و لم تكن العصابات موحدة، فمنها تنظيم القسام، مثل الشيخ فرحان السعدي الذي عمل في منطقة جنين، و قبض عليه في قرية نورس، و حوكم عسكريا و أعدم عن عمر يناهز ٧٥ عاما (١٩٣٧ م). و كانت مجموعة أخرى تتشكل بقيادة المناضل الثوري السوري، سعيد العاص و نائبه عبد القادر الحسيني، و عشرات العصابات المحلية، التي تشكلت حول قيادات محلية ريفية، أو بتوجيه من اللجان القومية، التي عملت على تشكيل مجموعة مسلحة في كل قرية و مدينة.
و استهدفت العصابات العاملة في الريف حركة النقل العامة، و المواصلات السلكية، فسدّت الطرق بالحواجز الحجرية، و نسفت الجسور و خطوط السكك الحديدية، و كذلك خط أنابيب النفط الواصل بين العراق و حيفا. فتحرك الجيش لمواكبة القوافل، و خصوصا سيارات شركة بوتاس البحر الميت، و أمعنت السلطة في مطاردة الثوار، فوقعت بين الجانبين معارك عنيفة، حقق فيها الثوار انتصارات مهمة.
و كانت معركة نور شمس (قرب طولكرم)، حيث هاجم الثوار (٢١ حزيران/ يونيو ١٩٣٦ م) قافلة متوجهة إلى حيفا، تواكبها حراسة عسكرية، و استمر الاشتباك سبع ساعات متواصلة، من أهم المعارك التي ألهبت حماسة الجماهير. و أصبحت هذه الهجمات ظاهرة مألوفة في «مثلث الرعب»، كما سماه الجنود البريطانيون، و هو المنطقة الواقعة بين نابلس و جنين و طولكرم. كما وقعت معارك كبيرة في مرج ابن عامر (عين حارود) و وادي عزّون (قرب طولكرم) و باب الواد (قرب القدس)، سقط فيها العشرات من الثوار العرب و الجنود البريطانيين. و أثبتت العصابات المسلحة قدرتها على القتال، و إرباك أعداد كبيرة من الجيش البريطاني، و أنها عصية على السحق العسكري كما اعتقد قادة الجيش البريطاني في البداية.
و انتشر الثوار في كل مكان، و كانت أعمال القمع و العقوبات الجماعية التي تمارسها السلطة تعزز روح المقاومة، و تدفع بأعداد كبيرة من سكان الريف إلى الالتحاق بالعصابات. و قد سيطر الثوار في آب/ أغسطس ١٩٣٦ م على المناطق الجبلية الوسطى في البلاد و الجليل، كما تفيد تقارير حكومة الانتداب. في المقابل، لجأت الحكومة إلى التدابير العسكرية لقمع الثورة، ففرضت منع التجول لساعات طويلة كل يوم، كما شكّلت محاكم عرفية في ظل قوانين الطوارىء، و فرضت الغرامات المادية الثقيلة و العقوبات الجماعية، و اعتقلت الكثيرين، و قامت بأعمال