الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٥٦
فيها. و من خلال عمله هذا، أتيحت للقسام فرصة كبيرة للاتصال بقطاعات واسعة من السكان، في مدينة كانت تتطور بسرعة، و تجتذب أعدادا كبيرة من الريف، و خصوصا من الفلاحين الذين أجلوا عن أراضيهم، و ذهبوا إلى المدينة بحثا عن العمل المأجور.
و كانت حيفا في تلك الفترة قد أصبحت ميناء فلسطين الأول، بما يفتحه ذلك من مجالات أمام الأيدي العاملة الرخيصة.
و حركة القسام، شكلا و مضمونا، لا تنسجم مع نمط عمل الأحزاب السياسية التي تشكلت على الساحة الفلسطينية في تلك الفترة. و إذ لم يسارع القسام إلى فتح الصراع مع تلك الأحزاب، فإنه بالتأكيد لم ينسق عمله معها. فالإعداد للكفاح المسلح، عبر تنظيم خلايا سرّية، و في قاعدة شعبية يسودها التململ، كالتي نشط القسام في أوساطها، لا يترك مجالا للتعاون مع الهيئات الحزبية القائمة، بما يسود العلاقات بينها من تناحر، و ما يعتري تركيبتها من هشاشة. و من ناحية ثانية، و بغض النظر عن الإجراءات التنظيمية الصارمة التي اتخذها القسام في بناء حركته، فإن حيفا، في الأوضاع القائمة آنذاك، لم تكن قاعدة آمنة لإدارة مثل هذا النمط النضالي، الذي يرفع حدة الصراع إلى أعلى مستوياتها. و سرعان ما استخلص القسام هذه النتيجة، بعد العمليات الأولى التي قامت بها مجموعاته، و التي كانت بمثابة «إعلام مسلح»، هدفه استنهاض الحالة الجماهيرية. و اضطر القسام إلى الانتقال إلى الريف، إذ وجد نفسه في مجابهة مفتوحة مع قوات السلطة، قبل استعداده لمثلها، فانتكست الحركة.
و يبدو أن القسام اضطر إلى البدء بالعمليات العسكرية تحت ضغط التطورات على الساحة الفلسطينية، و على جانبي الصراع، و من أجل استنهاض الحالة الجماهيرية للثورة. و كذلك، فإن انتقاله إلى الريف، كان تحت ضغط مطاردة قوات السلطة لتنظيمه، و اعتقال عدد من قادة المجموعات و محاكمتهم. فقد قبض على صالح أحمد طه و مصطفى علي الأحمد و خليل محمد عيسى (أبو إبراهيم الكبير) و أحمد الغلاييني و أحمد التوبة. و حكم على مصطفى الأحمد بالإعدام، و على الغلاييني بالسجن ٢٥ عاما. و برّىء الآخرون لعدم وجود أدلة ضدهم.
و استشهد القسام في معركة غير متكافئة، لا عددا و لا عدة، مع القوات البريطانية في أحراج يعبد (قرب جنين) بتاريخ ٢٠ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٣٥ م. فبعد سلسلة من العمليات العصابية، خرج الشيخ بنفسه لقيادة النضال الميداني، فحاصرته القوات البريطانية مع أصحابه، الذين استبسلوا في القتال، و استشهد القسام مع عدد من رجاله، منهم: الشيخ يوسف عبد اللّه و أحمد الشيخ سعيد و سعيد عطية أحمد و أحمد مصلح الحسين كما جرح عدد آخر. و نقل جثمان الشيخ إلى حيفا، و شيع إلى مثواه