الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٥
(بلاد سومر)، هو السبّاق لقيام مثل هذه المدن- الدولة، و تبعته مصر. أمّا بلاد الشام فقد تأخرت عنهما، كمّا و نوعا. و مع أنها شهدت في هذا العصر قيام المدن، إلّا إنها ظلت من حيث الحجم و الموارد أصغر من أن تشكل الندّ لمدن كل من العراق و مصر.
و من المتفق عليه عموما الآن، أن الانتقال من مجتمع القرية إلى حضارة المدينة- الدولة وقع في وادي دجلة و الفرات الأسفل. أمّا الأسباب التي أدّت إلى هذا التطور النوعي، فيدور بشأنها نقاش واسع بين المؤرخين، و الطروحات عندهم متباينة. فهناك من يرى أن ظاهرة قيام المدن كانت النتيجة الطبيعية لتقدم القرى و ازدياد عدد سكانها، و امتلاكها الخبرات و الأدوات و المؤسسات ... إلخ. و يذهب البعض إلى حدوث طفرة درامية، أدّى استعمال المعادن دورا كبيرا فيها. و هناك من يعود إلى نظرية المناخ، و بالتالي الجفاف، و ضرورة اللجوء إلى زراعة الريّ، و تنظيم المجتمع على هذا الأساس. كما يطرح البعض هجرات جديدة من الشعوب، حملت معها سمات حضارتها من مواطنها الأصلية.
و إذ توجد دلائل تدعم وجهات النظر أعلاه كلها، فليس من المستبعد تضافر عوامل متعددة لإيجاد ظاهرة المدينة- الدولة. و مهما يكن الأمر، فإنه نحو سنة ٤٠٠٠ ق. م.، حدث انتقال مفاجىء في نمط حياة سكان وادي دجلة و الفرات، و خصوصا في الجزء الأسفل منه. ففي هذا الجزء توفرت أرض خصبة، قابلة للاستصلاح بقليل من الجهد، و كذلك تنظيم عملية الريّ، أو صيانة الحقول من الفيضانات الجارفة. و في الأرض الرخوة التي تخلفها مياه الأنهار لدى انحسارها بعد الفيضان، إضافة إلى مناخ حار، تنمو المزروعات بسرعة إذا توفرت مياه الري في أشهر القيظ. و كذلك، ففي المستنقعات ثروة سمكية غنية، كما أن التمور في جنوب العراق رفدت سلّة غذاء الناس في تلك المنطقة.
و تشير المعلومات المتوافرة إلى أنه نحو سنة ٤٠٠٠ ق. م.، ظهرت في جنوب العراق مدن كبيرة، لا تقل بحجمها عن المستوطنات التي تسقيها مياه الأمطار الغزيرة.
و هذا يدل على أن الناس في تلك المنطقة- حيث معدل سقوط الأمطار يتدنى إلى حد الانقطاع- قد ابتكروا أساليب للريّ، بدءا في جوار مجاري الأنهار، ثم راحوا يوسعون الرقعة المروية ببناء سدود أكبر و أفضل، و بطرق أكثر تعقيدا. و نحو سنة ٣٥٠٠ ق. م.، كانت حضارة المدن السومرية قد تأسست، و هو ما يدل على أن هذا الشعب قد امتلك القدرة، عبر تنظيم المجتمع، و تشكيل سلطة مركزية، على بناء أنظمة ريّ متطورة، سمحت له باستغلال الإمكانات الزراعية المتوفرة في وادي نهري دجلة و الفرات الأسفل.