الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٢٤
و إذ لم يكن الشعب الفلسطيني مؤهلا، لا ذاتيا و لا موضوعيا، للقيام بعمل اللازم لدحر المشروع الصهيوني، فإن هذا الأخير لم يكن أيضا قادرا على فرض نفسه واقعا على الأرض في أعوام الانتداب الأولى، كما رغبت المنظمة الصهيونية.
و لذلك، اتخذ الصراع بشأن فلسطين نمطا من الاشتباك المستمر، تشتد حدته أحيانا كردة فعل عربية على احتدام التناقض الناجم عن الفعل الصهيوني- البريطاني؛ ثم لا تلبث أن تخبو عندما يتراجع الطرف الآخر تكتيكيا. و نظرا إلى طبيعة هذا المشروع الاستيطانية الإجلائية، لم يكن هناك مجال للتوصل معه إلى حلول وسط. فهو كما طرح، لا يدع مكانا لأهل البلد الأصليين فيه، بل يرمي إلى اقتلاعهم، و إحلال مستوطنين يهود مكانهم. و هو يفترق عن أنماط الاستعمار الاستيطاني الأخرى، بأنه لا يستهدف استغلال الأرض بمن عليها من سكان أصليين، و إنما يخطط لاغتصاب الأرض، و التخلص من أصحابها. و مع ذلك، و في غياب قدرة أي من الأطراف المنخرطة في الصراع على حسمه لمصلحته، فقد برزت داخلها تيارات و اتجاهات، تتفاوت تطرفا أو مرونة بالتكتيك، غير أن الأساس التناحري ظل يحكم سلوك القوى المركزية في هذا الصراع على الجانبين.
إن التناقض الذي تشكل في فلسطين نتيجة الترتيبات التي اتخذت بشأنها بعد الحرب العالمية الأولى، بعيدا عن مصالح سكانها، كان جذريا يستهدف أساس وجود الشعب الفلسطيني في وطنه، و بالتالي كان يستوجب حلا على هذا المستوى. لكن موازين القوى لم تكن تسمح بمثل هكذا حل. و إذ كانت حالة الوعي لأخطار المشروع الصهيوني متقدمة لدى جماهير الشعب الفلسطيني الواسعة، كما لدى قيادته السياسية، فإن أوضاعه الاجتماعية لم تكن مهيّأة لإيجاد الحركة النضالية القادرة على ترجمة هذا الوعي إلى ممارسة عملية، ذات أداء عال، يفرض الانكفاء على الطرف الآخر. و مع ذلك، فأشكال النضال التي مارسها الشعب الفلسطيني، و إن لم تكلل بالنجاح في دحر المشروع الصهيوني، فإنها عرقلت تجسيده لأهدافه، و أخّرته إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. و قد راوحت تلك الأشكال النضالية بين العمل السياسي و الدبلوماسي، مرورا بالمقاومة السلبية، و وصولا إلى الانتفاضات الثورية العنيفة، كما تأرجحت بين مدّ و جزر، تبعا لحركة الطرف الآخر، الذي كان زمام المبادرة في يده، و بلغت مستويات من الحدة، تتأثر بدرجة احتدام التناقض المتولد عن تلك الحركة، من جهة، و بحالة الشعب الفلسطيني الاجتماعية و السياسية، من جهة أخرى.
و لأن الحركة الصهيونية لم تستطع تهويد فلسطين باليهود، كما طرح ماكس نوردو، فقد عمدت، بالتواطؤ مع الانتداب، إلى الحؤول دون تكريس الواقع القائم