الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤١٧
و أوضحت التحقيقات في أسباب ثورة يافا أن قمعها بالقوة، و حتى استمالة بعض الرموز القيادية في الحركة الوطنية الفلسطينية، عبر تقديم بعض الإغراءات لها، لن تحقق الاستقرار في البلد. فحالة التوتر ظلت تسود الأوضاع العامة فيها، بينما تصاعدت موجة الانتقادات لسياسة الحكومة في بريطانيا. و إذ راح سامويل يعزز اتصالاته مع زعماء الحركة الوطنية، و يستغل التناقضات بينهم، عمد تشرشل إلى طرح «الكتاب الأبيض»، الذي يحدد مرتكزات السياسة البريطانية في فلسطين. في المقابل، و بعد أحداث يافا و جوارها، التي أدّت الزعامة الفلسطينية دورا في تهدئتها، ففقدت كثيرا من رصيدها الشعبي، و خصوصا أنها لم تؤيد مقاطعة البضائع اليهودية كما طالبت قيادات شعبية شابة، دعت تلك الزعامة إلى عقد المؤتمر الفلسطيني الرابع. و انعقد المؤتمر (حزيران/ يونيو ١٩٢١ م) في القدس، و أكد المطالب الوطنية و الإصرار على مقاومة الصهيونية، و أعلن تمسكه بالوحدة السورية. لكن الخطوة الإجرائية التي اتخذها كانت انتخاب وفد للسفر إلى بريطانيا للمطالبة بالحقوق الفلسطينية.
و جاء المؤتمر الفلسطيني الرابع ليزيد في تركيز قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية على قضاياها القطرية، و على رأسها مسألة الحكم في ظل الانتداب. و كان طبيعيا أن تتوجه إلى الاتصال بالحكومة البريطانية، و بالأوساط السياسية في لندن، و ربما بتشجيع من سامويل، الذي راح يبني آماله على التقريب بين تلك القيادة و المنظمة الصهيونية. فشجع إرسال وفد فلسطيني إلى لندن، و أوصى وزير المستعمرات بحسن استقباله و معاملته، و محاولة عقد لقاء بين الوفد و قادة العمل الصهيوني. في المقابل، طلب سامويل، و استجاب زعماء الحركة الوطنية لطلبه، إصدار بيان يدعو إلى التهدئة خلال المدة التي يمضيها الوفد في لندن. و في الواقع، مالت الأوضاع إلى الهدوء بعد المؤتمر الرابع، و سفر الوفد إلى أوروبا، و خطاب سامويل لمناسبة ميلاد الملك، الذي صيغ بلهجة تصالحية، تهدف إلى تهدئة خواطر العرب، و تلطيف مخاوفهم من المشروع الصهيوني، و إشاعة الاستقرار في البلاد، عبر زرع الأوهام بشأن سياسة بريطانيا، و نتائج سفر الوفد إلى لندن، و الإجراءات الموقتة بوضع قيود على الهجرة اليهودية.
لكن الوفد، الذي سافر مجرّدا من جميع عناصر القوة، ما عدا عدالة قضيته و مراهنة المندوب السامي على دوره في تهدئة المزاج الشعبي، لم يحقق إنجازا كبيرا في لندن مع حكومة لويد جورج، التي مارست جميع أنواع الخداع على العرب في الحرب، كما في مؤتمر السلام بعدها. و نظرا إلى دورها في أحداث يافا، فقد خسرت الزعامة التقليدية الفلسطينية كثيرا من رصيدها الشعبي، و هي على أية حال