الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤١٢
و كان المؤتمر الفلسطيني الثالث، شكلا و مضمونا، يمثل تراجعا لدى الحركة الوطنية الفلسطينية على الصعيد القومي، و اندفاعا نحو التركيز على البعد الوطني، و ذلك بفعل الواقع الذي تشكل بعد الحرب، كما أنه تعبير عن طبيعة الزعامة المحلية التي قادت العمل الوطني الفلسطيني في تلك المرحلة. لقد غاب عن بيان المؤتمر أي ذكر للاستقلال و الوحدة مع سورية، و جرى التأكيد على مناهضة المشروع الصهيوني، كقاسم وطني مشترك، و المطالبة بالمشاركة في حكم البلاد عبر حكومة تمثيلية، كتعبير عن المصالح الذاتية و الوطنية. و إذ لم تكن قرارات المؤتمر ترضي جيل الشباب الوطني المتحمس، الذي وجه إليها نقدا شديدا، فإن المندوب السامي كان يخشاها. و بناء عليه، دعا موسى كاظم الحسيني و خمسة من زملائه السياسيين، إلى لقاء معه بصفة شخصية، و بحث القضايا التي تشغل بالهم، كونه لا يعترف بالمؤتمر، و بالتالي باللجنة التنفيذية المنبثقة منه. و في اللقاء، أكد سامويل أن مهمته تنحصر في تنفيذ سياسة حكومته، و ليس صوغها. و هو مستعد للتفاهم معهم بشأن طريقة تجسيد وعد بلفور، و لكن ليس على مبدأ الالتزام به. و أعرب عن الاستعداد للاعتراف بهيئة عربية موازية ل «المجلس الوطني اليهودي» في فلسطين.
و عندما تولى و نستون تشرشل وزارة المستعمرات (شباط/ فبراير ١٩٢١ م) حدد هدفه بوضع سياسة شاملة و متماسكة للشرق الأوسط، تسمح بسحب الجيوش البريطانية الكبيرة المتمركزة هناك. و لذلك عقد مؤتمر القاهرة (آذار/ مارس ١٩٢١ م)، حيث تمّ التأكيد على التزام حكومة بريطانيا بوعد بلفور في فلسطين، مع فصل شرق الأردن عنها، و وضعه تحت إشراف المندوب السامي فيها، لكن من دون أن تسري عليه شروط الانتداب فيها، و تعيين عبد اللّه بن الحسين أميرا عليه.
و في مقابل معونة مالية يتلقاها سنويا بمبلغ ٠٠٠، ١٨٠ جنيه استرليني، تعهد الأمير باحترام التزامات بريطانيا الدولية تجاه فرنسا في سورية و الحركة الصهيونية في فلسطين. و بعد مؤتمر القاهرة، توجه تشرشل إلى فلسطين، و التقى هناك وفدين:
الأول عربي، و الثاني صهيوني. و لم يكن أي من الطرفين راضيا عن اللقاء. لقد تعامل تشرشل مع الوفد العربي باستخفاف، أثار حنقه، و مع الوفد الصهيوني بابتزاز، أثار قلقه، و خصوصا بعد فصل شرق الأردن عن فلسطين، الأمر الذي لم يرق للصهيونيين.
و زيارة تشرشل إلى القاهرة و فلسطين، و ما اتخذه في أثنائها من إجراءات، و ما صدر عنه فيها من تصريحات، لم تساعد على تهدئة الأوضاع في فلسطين، بل على العكس، زادت التوتر حدة. ففي ١ أيار/ مايو ١٩٢١ م و في أثناء الاحتفال بعيد العمال