الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤٠٥
و بمرور الزمن، تحوّلت هذه المنظمة الإرهابية إلى جيش صهيوني، تولى سنة ١٩٤٨ م فرض الأمر الواقع على فلسطين بقوة السلاح، و أرغم أهلها على النزوح و الجلاء عن وطنهم. و قامت الهاغاناه، أكثر من أية مؤسسة استيطانية صهيونية أخرى، من حاضنتها في الهستدروت بحسم الصراع بشأن فلسطين سنة ١٩٤٨ م، بالعنف المسلح، و ليس بامتلاك الأرض، أو تهويد السكان و السوق.
و انطلاقا من وعيهم لطبيعة مشروعهم الاستيطاني، فقد توصل قادة العمل الصهيوني إلى ضرورة استعمال العنف المسلح ضد الشعب الفلسطيني لإخضاعه لإملاءات ذلك المشروع. و بعد الحرب العالمية الأولى، بذل هؤلاء جهودا كبيرة لحمل سلطات الاحتلال البريطاني على السماح للوكالة اليهودية بتوسيع الفرقة اليهودية ليصل عدد أفرادها إلى ٠٠٠، ٢٥ رجل، فتكون الأداة التنفيذية لتحقيق وعد بلفور.
و كانت هذه الفرقة، التي بلغ عدد أفرادها ٥٠٠٠ رجل، قد انتقلت في نهاية الحرب إلى فلسطين، لتكون في استقبال البعثة الصهيونية برئاسة وايزمن، و لتشارك، و لو اسميا، في استكمال احتلال فلسطين، بما يدعم الدعوى الصهيونية عليها. لكن الإدارة البريطانية لم تتحمس للفكرة. و إزاء الأوضاع التي تشكلت في فلسطين، انقسم المعسكر الصهيوني بين دعاة تشكيل جيش علني بموافقة بريطانيا، يعمل على احتلال فلسطين بالقوة، و بين دعاة الانصراف إلى تسليح جماعات الهاغاناه، كمنظمة عسكرية سرية، تحت ستار الدفاع عن النفس، و ترك المسؤولية الأمنية العامة في يد سلطات الاحتلال البريطاني.
و بينما تزعم زئيف جابوتنسكي التيار الداعي إلى تشكيل جيش علني، و نظم مجموعات مسلحة من دون ترخيص، فقد وقف الجناح الموالي لحاييم وايزمن مع الهاغاناه السرية. و بسبب الخلافات بين الفريقين بشأن هذه المسألة من جهة، و عدم حماسة المستوطنين للدفاع الذاتي، و خصوصا في المستعمرات الكبيرة الأولى، لنقص الطاقة البشرية و الموارد المالية، و عدم الثقة بقيادة الهاغاناه، من جهة أخرى، فقد تعثر تشكيل منظمة عسكرية واحدة بقيادة موحدة. و انصرفت الهستدروت، بزعامة دافيد بن- غوريون، سكرتيرها الأول، إلى تنظيم الهاغاناه العمالية السرية، بإشراف موشيه شاريت (شرتوك) و دافيد هكوهين و إلياهو غولومب. و توجه هؤلاء إلى العمل على أسس مغايرة لتلك التي دعا إليها جابوتنسكي، و عمدوا إلى تشكيل وحدات مسلحة من العمال، و توزيعها في مناطق متعددة. و ظل التباين في وجهات النظر قائما، و أدّى لاحقا إلى انقسامات و تشكيل منظمات مستقلة عن الهاغاناه، تابعة للجناح التنقيحي.
لكن الهاغاناه نفسها لم تحقق إنجازات كبيرة، لأسباب ذاتية و موضوعية، و خصوصا