الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٤
أن العامل الأكثر أثرا في تاريخها القديم هو وقوعها بين مركزي الحضارات التاريخية الأولى: وادي دجلة و الفرات من جهة، و وادي النيل من جهة أخرى. أمّا في العصور اللاحقة، فقد كان لموقعها الاستراتيجي و مكانتها الدينية و الطرق التي تتقاطع فيها و في جوارها، أثر كبير في صوغ تاريخها.
لكن فلسطين، و من موقعها الجغرافي أيضا، لم تكن محط أنظار هجرات قبائل و شعوب للاستقرار بها، و لا نقطة تبادل تجاري و حضاري فحسب، بل كانت أيضا ممرّا للجيوش في حملاتها المتبادلة و ساحة للمعارك بين العمالقة. لذلك، و طوال تاريخها، كانت فلسطين عرضة لضغوط سياسية من جميع الاتجاهات، و كجزء عضوي من بلاد الشام، ظلت عنصرا مهما في الصراعات أو التحالفات الداخلية فيها. و بينما كانت قبائل الصحراء تتوغل فيها، و خصوصا عندما تكون السلطة المركزية فيها ضعيفة، للإفادة من أراضيها و الاستقرار و التحوّل إلى الزراعة، كانت سواحلها عرضة لغزوات من البحر بهدف السيطرة على الداخل السوري، الذي كانت له أهمية تجارية دولية طوال العصور. و بعد نشوء الإمبراطوريات الكبيرة في العراق و مصر أصبحت فلسطين، و لفترات طويلة، ممرا لجيوشها في صراعاتها بشأن السيادة و السيطرة على هذا الجسر الواصل/ الفاصل بينها. و علاقة فلسطين بهذين القطبين قديمة قدم التاريخ؛ و بالنسبة إلى مصر فقد كانت قائمة منذ ما قبل التاريخ. فالطريق الذي يعبر سيناء مزروع بالمحطات و الآبار لخدمة القوافل التجارية، التي كانت سبيلا للتبادل الحضاري أيضا، و خصوصا مع الجزء الجنوبي منها.
و منذ أيام المملكة القديمة في مصر (الألف الثالث قبل الميلاد)، رأى الفراعنة في فلسطين، على الأقل في جنوبها، سدّا يحمي بلادهم من جهة حدودها الضعيفة في الشمال الشرقي، و على الخصوص إزاء تسلل القبائل الرحالة عبرها، و التوغل في سيناء إلى وادي النيل، فحاولوا تعزيز نفوذهم فيها، و إن عبر حكام محليين. و قد تغير هذا المنظور جذريا بعد غزو الهكسوس لمصر، و من ثمّ طردهم منها، أيام السلالة الثامنة عشرة، التي كان أبرز فراعنتها تحتمس الثالث (١٤٦٨- ١٤٣٦ ق. م.)، الذي دمر قوة الهكسوس و الكنعانيين في معركة مجدو، و احتل المنطقة حتى نهر الفرات.
و في المقابل، رأى فيها ملوك أشور و بابل و فارس خشبة القفز إلى مصر و احتلالها، الأمر الذي تكرر مرات كثيرة. أمّا قوى البحر الأبيض المتوسط- اليونان و الرومان- فقد أرادت السيطرة على فلسطين لتكريس هيمنتها على ذلك البحر من جهة، و للتوغل في شرقه من أجل وضع اليد على ثروات البلاد الواقعة هناك من جهة أخرى. و في المقابل، رأت قوى الشرق- و خصوصا العرب- في فلسطين أقصر الطرق للوصول