الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٩٣
هذه الحقيقة. و بناء عليه، تقرر أن يكون مركز المنظمة في لندن، و له فروع في فلسطين و الولايات المتحدة و دول أخرى. و إذ توفرت للحركة الصهيونية الظروف الموضوعية المواتية جدا على الصعيد الدولي، فإنها ذاتيا لم تكن مهيّأة لنقل مشروعها من الإطار النظري إلى الصعيد العملي. و قد شكلت هذه الثغرة خطرا على المشروع الصهيوني، تحركت المنظمة لتلافيه بسد هذه الثغرة- يهوديا و تنظيميا.
و لعل الإجماع الذي تمتع به المشروع الصهيوني في المراكز الإمبريالية بعد الحرب العالمية الأولى، لا يوازيه إلّا استنكاف اليهود عنه، و رفضهم الانجرار وراء دعاته، الأمر الذي راح يثير الشكوك حول جدوى المشروع و صدقية القائمين عليه، حتى داخل الحكومة البريطانية. و بعد مضي عشرة أعوام على وعد بلفور، اعترف وايزمن (١٩٢٧ م) أن هذا الوعد «كان مبنيا على الهواء.» و مضى يقول إنه كان يرتعد خشية أن تسأله الحكومة البريطانية عن مقدار تأييد اليهود للحركة الصهيونية. فهي كانت تعلم «أن اليهود ضدنا ... و كنا وحدنا نقف على جزيرة صغيرة، مجموعة قليلة من اليهود ذوي ماض أجنبي.» و في مذكرة سرية، رفعها إلى حكومته، يقول سير إدوين مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في الوزارة البريطانية التي أصدرت وعد بلفور، و هو أيضا الوزير الوحيد الذي عارضه، أن اليهود من أصل أجنبي، قد أدّوا دورا ملحوظا في الحركة الصهيونية في إنكلترا. و من هؤلاء عدّد مونتاغو الدكتور غاستنر (من رومانيا) و الدكتور هيرتز (من النمسا) و الدكتور وايزمن (من روسيا).[١]
إن الفارق الكبير بين تأييد الدول الكبرى للمشروع الصهيوني و حماسة الجماعات اليهودية له، إن دل على شيء فعلى الطبيعة الإمبريالية لهذا المشروع، و على عدم التكافؤ فيه بين شقيه، الإمبريالي و اليهودي، و أن الأول هو الغالب عليه.
و كان وايزمن و نظراؤه يرون أن حل هذه المسألة يجب أن يأتي «من أعلى»، من ناحية الدول الإمبريالية، و عبر دورها في تسخير اليهود لخدمة مصالحها، عن طريق وساطة المنظمة الصهيونية. و كانت الاستراتيجية التي وضعها نشطاء العمل الصهيوني تآمرية في أساسها على الجماعات اليهودية لتهجيرها إلى فلسطين. و هذا ما فعلته الحركة الصهيونية لاحقا. و يذكر وايزمن أنه عندما أعرب له أحد المسؤولين البريطانيين عن دهشته للموقف المناهض للصهيونية، الذي يتخذه قادة يهود بريطانيا، أكد له وايزمن أن لديه خطة لشن الهجوم عليهم «من أعلى». و تكهن وايزمن أنه بمجرد الاعتراف بفلسطين «وطنا قوميا يهوديا»، فإن هؤلاء سيوافقون على الحل الصهيوني،
[١] المسيري، مصدر سبق ذكره، ص ٤٠- ٤١.