الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٨٩
الانتداب» بحيث تلبي المطالب الصهيونية إلى حد كبير. ثم استبدلت الإدارة العسكرية، خارج الأعراف الدولية، بأخرى مدنية أكثر استجابة لإملاءات المشروع الصهيوني. و عينت على رأسها أحد مهندسي ذلك المشروع في بريطانيا، و دعمته بعدد من الموظفين الموالين للصهيونية ليتسلموا المواقع المفصلية في إدارته. ثمّ حولت المسؤولية عن فلسطين من وزارة الخارجية، حيث تصاعد النقد لوعد بلفور و سياسته، إلى وزارة المستعمرات، التي كان على رأسها أحد الأقطاب الداعمين للصهيونية، و نستون تشرشل (كانون الثاني/ يناير ١٩٢٠ م). ثمّ فصلت فلسطين عن شرقي الأردن (آذار/ مارس ١٩٢١ م). و منذ البداية، حتى في ظل الحكم العسكري، اعترفت بريطانيا بالمنظمة الصهيونية شريكا في الحكم في فلسطين، عبر لجنة المندوبين، كما خصّت الاستيطان الصهيوني بمعاملة متميّزة في ظل الانتداب، تتيح له التطور السريع ليشكّل الركيزة التي يقوم عليها «الوطن القومي اليهودي»، و اتخذت من الإجراءات الإدارية و التشريعية ما يمهد السبيل أمام ذلك.
و منذ أن تولى منصبه كمندوب سام، شرع سامويل في تنفيذ المهمة التي جاء من أجلها، وضع البلاد في «حالة سياسية و اقتصادية و إدارية»، تؤدي إلى قيام «الوطن القومي اليهودي»، كما ينص عليه صك الانتداب، الذي جهد سامويل نفسه في صوغه و تمريره في المؤسسات الحاكمة في بريطانيا. و إضافة إلى الهيئات الصهيونية العاملة على تهويد فلسطين، عبر أشكال متعددة من المؤسسات الاستيطانية، أقام سامويل إدارة حكومية، كان جلّ كبار المسؤولين فيها من الملتزمين بالصهيونية و مشروعها، سواء كانوا يهودا أو بريطانيين. و لإضفاء طابع من الشرعية على السلطة التنفيذية التي يترأسها، عين سامويل «مجلسا استشاريا» مؤلفا من ٢١ عضوا، ١٠ منهم موظفون يتولون المناصب الإدارية العليا، و ١٠ آخرون تمّ اختيارهم على أساس طائفي: ٤ مسلمون و ٣ مسيحيون و ٣ يهود، و يرئس المندوب السامي هذا المجلس أيضا. و عقد المجلس أول جلساته في ٦ تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٢٠ م. و في شباط/ فبراير ١٩٢٢ م، و بالتشاور مع لجنة المندوبين، أصدر سامويل «القانون الأساسي»، الذي استبدل ب «دستور فلسطين» (١٠ آب/ أغسطس ١٩٢٢ م)، بعد إقرار صك الانتداب في عصبة الأمم. و المندوب السامي كان مسؤولا أمام وزير المستعمرات في لندن، و هو الحاكم الأعلى، و كذلك المشرّع الأول في فلسطين.
و قد تضافرت جهود سامويل و إدارته مع نشاط المؤسسات و الهيئات الصهيونية، في فلسطين و خارجها، لدفع الأمور نحو المزيد من التوتير، و بالتالي انفجار العنف في البلد. و لم تفلح مناورات سامويل في استيعاب الحركة الوطنية الفلسطينية،