الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٦٢
لمصر، كما أنها تقطع الطريق على التنافس بين الدول الكبرى بشأن النفوذ فيها بذريعة الأمكنة المقدسة. و لعل الاعتبار الأهم أنها تشطر الوطن العربي إلى شطرين، و تحول دون توحيدهما، كما تشكل مركزا إقليميا مناهضا للحركة القومية العربية، التي تناضل من أجل الاستقلال، و بالتالي ضد الاستعمار.
إن وعد بلفور، الذي اعتبرته الصهيونية العالمية بمثابة البراءة الدولية للاستيلاء على فلسطين و تحويلها إلى «وطن قومي» ليهود العالم، لم يسهم في إيجاد حل لمشكلة الصهيونية في المنطقة، بقدر ما أسس لصراع طويل و عنيف بشأنها، لم يصل بعد إلى نهايته (١٩٩٦ م). و لعل هذا بالذات ما أرادته حكومة بريطانيا في حينه. و لا غرو، فهذا الوعد، في سياق صدوره و مضمونه، و ما نجم عنه ظل موضع رفض و احتجاج من قبل العرب، و محط نقد قانوني من أوساط متعددة في العالم، و خصوصا أنه ضمّن في وثائق و معاهدات دولية، أصبحت مرتكزات لسياسة منظمات دولية رئيسية إزاء المنطقة. و الوعد بتسليم فلسطين للحركة الصهيونية هو عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، و بالتالي فهو باطل، ليس أخلاقيا فحسب، بل قانونيا أيضا. و هو اقتطاع جزء من الوطن العربي، و فرزه ليكون قاعدة للعدوان على الأمة العربية، و تجزئتها و استنزاف طاقاتها، و ليس الاندماج فيها.
و هو تغييب للشعب الفلسطيني- ماديا و حضاريا و سياسيا- و قطع لصلته بوطنه، و نفي لحقه التاريخي فيه. و هو كذلك تجاهل للأمة العربية و أهدافها المشروعة بالاستقلال و الوحدة و التقدم، و تنكر للعهود التي قطعت لها في الحرب، بل هو تآمر على استقلالها و وحدتها و مستقبلها. و يندرج هذا الوعد في سلسلة الجرائم البشعة التي اقترفتها الدول الإمبريالية في بلدان العالم التي وقعت تحت سيطرتها، و لعله من أبشعها على العموم.
رابعا: الانتداب البريطاني
إن إصدار وعد بلفور كان يحتم على حكومة بريطانيا أن تتولى رعاية تجسيده، و لن يتم ذلك إلّا ببسط سلطتها على فلسطين، و لعله صدر لهذا الغرض بالذات، أي التمهيد لوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، و إخراجها من حلبة المنافسة الدولية. فلدى إصدار هذا الوعد، لم تكن الحركة الصهيونية في وضع يؤهلها لتحمل تبعاته، إذ خلال الحرب توقفت المؤتمرات الصهيونية عن الانعقاد، و تعرقلت أعمال اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية، و انقطعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بل اجتاحت المستعمرات موجة من النزوح إلى الخارج. و كانت أغلبية يهود العالم لا