الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٦
و يحيط بالسور خندق محفور في الصخر، عرضه ٢، ٣ م، و عمقه ٧٥، ٢ م، و يليه جدار من الحجر سماكته ٣ م، بقيت منه أجزاء على ارتفاع ٥ أمتار. و في السور برج حجري دائري الشكل، قطره عند القاعدة ١٢ م، و عند القمة ٩ م، و ارتفاعه ١٥، ٩ م. و داخل البرج درج يؤدي إلى أعلاه، فيه ٢٢ درجة، و طول السور ٧٠٠ م و يحيط بمستوطنة مساحتها تزيد عن ٤٠ دونما.
فضلا عن تلك التحصينات، كشف عن مبان مركزية، منها معبد و خزّان ماء، بقيت جميعا بمثابة أحجية، إذ سبقت الأهرامات نحو ٤٠٠٠ عام. و عدا ما يفترضه ذلك من معرفة لفن البناء، و من مستوى عال من التقنيات، فإنه يثير الدهشة لما يتطلبه من طاقة بشرية، و ما يستلزمه من وجود سلطة مركزية، قادرة على حشد هذا الجهد و توفير حاجاته. و لذلك اعتبرت أريحا أقدم مدينة في التاريخ. و على الرغم من كل التنقيبات في المنطقة لم يعثر على مثيل لها حتى الآن، و ظلت أريحا ظاهرة فريدة، تجاوزت عصرها من ناحية ضخامة أبنيتها، و عدد سكانها، و لم تتكرر إلّا بعد مرور آلاف السنوات. و لا شك في أن بناء مثل هذه المدينة استوجب وجود مجتمع متطور بعلاقاته و مؤسساته.
و قد عاصر السويّات الأولى من أريحا موقع وادي فلاح، على الساحل بالقرب من حيفا. و جريا على عادة المنقبين، أطلق على مكتشفات هذا الموقع الحضارة الساحلية. و يقول البعض إن الحضارة الساحلية، أسوة بقريناتها من النيوليت:
الخيامية، نسبة إلى موقع الخيام غرب البحر الميت، و الريحاوية، نسبة إلى أريحا، و الطاحونية، نسبة إلى وادي الطاحون في جبال القدس، هي مرحلة، أو مراحل، متطورة عن النطوفية، و متكيفة أكثر وفق الأحوال المناخية الجديدة. و هناك من يرى أن النطوفية، التي كانت واسعة الانتشار، قد أخلت مكانها لثلاثة أنماط من الاستيطان المنتقل إلى الزراعة: ساحلي، في وادي فلاح؛ جبلي، في وادي الطاحون؛ و غوري، في أريحا. و قد أدّت العوامل المحلية دورا في تمايزها بعد نشوئها.
أمّا موقع المريبط، على نهر الفرات في سورية، فينتمي إلى هذا العصر، و إليه ينسب بعض الباحثين الزراعة الأولى في العالم، و التي يعود تاريخها بحسب الكربون المشع، إلى سنة ٧٧٠٠ ق. م. و إلى الشمال منه، اكتشفت آثار الزراعة المعاصرة له في تل الشيخ حسن. و كذلك في تل أسود في محيط دمشق، الذي يمثل الموقع الأقدم للاستقرار في سورية الجنوبية. و يشير واقع البحث العلمي الحالي إلى أن المواقع السورية كانت السبّاقة إلى صناعة الفخار، فقد وجدت بداياتها، لكن على