الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٤٧
الأولى للحرب. فالقوى التي رأت دعم تركيا، بغض النظر عن صوابية موقفها أو عدمها، فقدت التأييد الجماهيري لها، بعد الهزائم التي مني بها العثمانيون، و نتيجة ردات فعل الناس على سلوك الجيش التركي في الولايات العربية. و برز بين الداعين إلى مناصرة تركيا، في إطار «الجامعة الإسلامية»، و تحت شعار «الجهاد المقدس»، كل من عبد الرحمن الشهبندر و محمد كرد علي. و تقرب جمال باشا منهما، و وعد بإعطاء الولايات العربية استقلالها بعد الحرب، و صدرت الصحف الناطقة بلسانهما تناصر هذا الخط، و تشكلت جبهة عربية- عثمانية معادية للدول الأوروبية. لكن هذه الجبهة تصدعت سريعا، بعد اكتشاف مدى تغلغل ألمانيا في الحكومة العثمانية، و ردات الفعل الشعبية في الولايات العربية على هزيمة الجيش التركي، و سوء تصرفه في الحرب التي خاضها، و إدارته لها.
و كان واضحا منذ البداية أن أغلبية القوميين العرب كانت مع الاستقلال، و بالتالي مناهضة الحكم العثماني. و جاءت الحرب، بطرق إدارتها و نتائجها، لتزيد في النقمة العربية على هذا الحكم. و قد أدّت سياسة جمال باشا القمعية إزاء الوطنيين العرب، من جهة، و النشاط الذي قام به الحلفاء لاستمالتهم، من جهة أخرى، دورا في تلبية روح الثورة على العثمانيين في الولايات العربية الواقعة تحت حكمهم. و إزاء الاستجابة الواسعة للدعاية المضادة للعثمانيين، و التي كانت تصدر من القاهرة، برعاية بريطانية، تصاعدت وتيرة قمع جمال باشا للوطنيين العرب و التنكيل بقياداتهم. و راح يتجسس على نشاط المثقفين و الضباط الوطنيين، و وقعت في يده معلومات عن اتصالات يجريها بعضهم مع قناصل فرنسا، توحي بالإعداد لثورة عربية ضد العثمانيين. فشنّ جمال باشا حملة عنيفة على الحركة الوطنية العربية، برموزها و صحفها و مقرّاتها. و قدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى الكثيرين من رجالاتها، و أعدم بعضهم، و أودع السجن آخرين.
و قبل دخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا، كانت بريطانيا قد أجرت اتصالات أولية مع الشريف الحسين بن علي، أمير الحجاز. و بعض هذه الاتصالات تمّ عبر أحد أبنائه، عبد اللّه بن الحسين، (ملك الأردن لاحقا)، الذي كان عضوا في البرلمان العثماني، و استغل سفره بين إستنبول و الحجاز لإجراء اتصالات مع الإدارة البريطانية في القاهرة. و عندما نشبت الحرب، و أصبح الشرق الأوسط أحد مسارحها، عاد البريطانيون إلى إحياء تلك الاتصالات، و بصورة أكثر إلحاحا، و طرحوا على الشريف الثورة ضد العثمانيين. و بينما رأى الشريف في ذلك فرصة لتحقيق أحلامه في الخلافة، رأى فيه الإنكليز المرشح الأفضل لقيادة الحركة الوطنية العربية، لما كانوا