الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٤٤
العثمانية المفلسة. و كان أهم هذه المشاريع بناء خطوط السكك الحديدية. و احتدم هذا التنافس مع دخول ألمانيا على هذا الخط، عبر علاقاتها مع الأتراك الجدد، و العمل على بناء «خط الشرق السريع»، بين إستنبول و بغداد، مرورا بالإسكندرون.
و أثار ترسيخ أقدام فرنسا في لبنان و سورية، و ألمانيا في إستنبول نفسها، مخاوف بريطانيا، و خصوصا ممثليها في القاهرة، إذ إن المندوب السامي اللورد كيتشنر، اعتقد أن تركيا قد تقوم بهجوم لاسترداد مصر، بمساعدة دولة حديثة، مثل ألمانيا أو فرنسا. و حتى بعد «معاهدة الصداقة» (١٩٠٣ م) بين فرنسا و بريطانيا، التي بموجبها اعترف كل طرف بمصالح الآخر، ظلت العلاقة بين الطرفين تتميّز بالتنافس.
و لذلك، رأى كيتشنر ضرورة إقامة كيان سياسي يهودي في فلسطين، بين عكا و العقبة.
و قد زاد في مخاوفه بناء «سكة حديد الحجاز» (١٩٠٦ م) بين دمشق و مكة، و خصوصا بعد أن طلب الأتراك من ألمانيا استكمال فرع درعا- حيفا، ليصل إلى رفح، و من ثمّ بناء فرع بين معان و العقبة. و من مقره في القاهرة، أدار كيتشنر دعاية مضادة لفرنسا في سورية، الأمر الذي أدّى إلى توتير العلاقة بين الدولتين. و إزاء هذه السياسة البريطانية جرى تقارب بين فرنسا و ألمانيا، و اشترك الطرفان بإقامة خطوط سكك حديدية.
فدخل الأطراف الثلاثة في تنافس محموم بشأن وضع مشاريع لبناء سكك الحديد.
إن الشرارة التي أشعلت نار الحرب العالمية الأولى، حدثت في ساراييفو- البوسنة. و لكنها، على خلفية التنافس بين الدول الرأسمالية بشأن بسط نفوذها على المستعمرات و الموارد و الأسواق، و على أرضية التحالفات القائمة على المصالح و موازين القوى، سرعان ما انتشرت إلى جميع بقاع الأرض، فاستحقت بذلك عن جدارة اسم «الحرب العالمية الأولى». و مع اندلاع الحرب، جرّ كل من المعسكرين إليها الأقطار العربية الواقعة تحت حكمه. و على العموم، كان كل قطر عربي يقف ضد القوة التي تحكمه، الأمر الذي يشير إلى نزعة الاستقلال القوية لدى شعوب الأمة، التي أملت أن تناله في نهاية الحرب. و لعل التناقض الصارخ على هذا الصعيد كان في بلاد الشام، إذ تمحورت الحركة القومية حول التخلص من الحكم العثماني.
و عندما دخلت تركيا الحرب إلى جانب دول المحور، وجدت نفسها في بلاد الشام تقاتل على أرض معادية، كما وجد الشعب العربي هناك نفسه تحت حكم عسكري معاد. و كانت سنوات الحرب عسيرة على الناس، و مدمرة للبلاد التي كانت مسرح عمليات الجيش الرابع العثماني، بقيادة أحمد جمال باشا. و لم يدّخر هذا وسيلة للتنكيل بالقوى و الشخصيات الوطنية، أو الاعتداء على السكان و نهب ممتلكاتهم و أرزاقهم و تسخيرهم في الأعمال الإجبارية. و لسنين طويلة ظلت ذكريات أيام الحرب