الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٤
و كان كلما ازداد هذا التراكم، طرح أسئلة جديدة، و كلما اتسع، ضاق إطار الأشخاص الملمّين به، وصولا إلى نشوء فئة من العقلاء، تحولت مع الزمن إلى طبقة الكهنة أو العرافين.
و مهما كانت سعادة إنسان النيوليت مرتبطة بحقله و قطيعه، إلّا إن دورة فصول السنة احتلت أهمية أكبر في همومه الفكرية، و حفزت لديه الإرادة على معرفة أسرار هذا التناوب الفصلي. و لهذا كان طبيعيا، و عبر الملاحظة، أن يربط بين هذا التناوب و تقلبات الطقس، و بين مواسم الزراعة و الحصاد، و ولادة الحيوانات في القطيع، و المطر و الرياح و الحر و البرد، و أثر ذلك كله في وفرة المحصول أو شحّه. و صاغ هذا الإنسان جملة من المعتقدات حول هذه الظواهر، شكّلت ديانته، فعمد إلى بعض الطقوس التي اعتبرها سبيلا إلى المصالحة مع هذه القوى المدمرة في سورة غضبها، فصارت بمثابة عبادات يؤديها في مناسبات معينة، و يرى فيها استرضاء لهذه القوى الخفية، التي تستطيع أن تجلب له النعمة، أو تصب عليه النقمة.
لكن اهتمام المزارع الأول بأمور الطبيعة كالشمس و القمر و الريح و المطر ...
إلخ، لم يصرفه عن النظر إلى ذاته، و البحث عن أصلها و مآلها، و بالتالي موقع الأم في عملية الحياة، وصولا إلى بروز الإلهة الأم، أو الأم الكاهنة. و هكذا أصبح الخصب هو العنصر الأهم بالنسبة إلى ذاته و إلى قاعدة إنتاجه. لذا قامت إلى جانب العبادات الموجهة لقوى الطبيعة، طقوس الخصب و تقديس الأرواح، و عبادة الأموات و الأسلاف. و بمواكبة تطور الحضارة المادية، تبلورت قيم روحية، أخلاقية و فكرية، عبرت عنها الأسطورة، و كرست طقوسها العبادات، و أحاطت بها جميعا هالة من القدسية.
و مهما تكن دوافع اعتراض بعض الباحثين على الأمر، علمية أو مغرضة، فإن الفكرة السائدة حتى الآن، و إلى أن يثبت عكسها، هي أن الزراعة الأولى نشأت في بلاد الشام القديمة، و في سورية و فلسطين على وجه التحديد، و منهما انتقلت إلى بقية المناطق في العالم. و يبقى، حتى بين الذين يقرّون هذه الحقيقة، تباين حول الأسباب الكامنة وراء هذه النقلة النوعية، التي يعتبرها البعض، بعد ابتكار النار، و قبل الثورة الصناعية الحديثة، أهم خطوة حضارية حققها الإنسان. و قد واكبت هذه النقلة تحوّلات كبيرة في الأوضاع الاجتماعية لإنسان النيوليت، طالت المسكن و المأكل و الملبس و أدوات العمل و أغراض الزينة و الأواني المنزلية و الديانة و التعبيرات الفنية، و مجمل العلاقات المجتمعية- الداخلية و الخارجية.
و في بلاد الشام مواقع كثيرة من عصر النيوليت، موزعة في مناطق متعددة-