الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٣٩
و خصوصا من جانب النواب العرب و الأوساط التقليدية العثمانية. في المقابل، سرعان ما اكتشف الحكام الجدد أن الأهداف الصهيونية المطروحة تتناقض مع توجهاتهم السياسية بالحفاظ على وحدة الأراضي العثمانية، كونها تشكّل عامل تفتت إضافي، سواء على صعيد الأرض، أو السكان، أو وحدة الموقف من التدخل الأجنبي، و بالتالي تفتح مدخلا جديدا لتوسيع النفوذ الأوروبي في أراضي السلطنة.
و في فلسطين، حرّك النشاط الاستيطاني الصهيوني المكثف مقاومة السكان، من القطاعات الاجتماعية المتعددة، و بدرجات متفاوتة من الحدة. فعلى خلفية الوعي القومي العربي الذي كان يتبلور منذ منتصف القرن التاسع عشر، و يعبر عن نفسه بصور متعددة، جاء النشاط الصهيوني ليحرك مقاومة السكان العرب الفلسطينيين لهجرة اليهود إلى بلدهم و شراء الأراضي فيها، و خصوصا من الملاكين الغائبين، و بناء المستعمرات عليها، بعد طرد الفلاحين منها. و كذلك، فسياسة التغلغل الاقتصادي الصهيونية، و بالتالي تهويد اقتصاد البلد، حرّك قطاعات اقتصادية- اجتماعية أخرى.
و بتسارع وتيرة الاستيطان تفاقمت الأزمة، و احتدم التناقض، فانفجر الصراع، بأشكال عنيفة أحيانا. و طالت أعمال العنف المستوطنين و ممتلكاتهم، و تذرع المستوطنون بتقصير السلطة في حمايتهم لانتزاع موافقة بعض الموظفين الأتراك الفاسدين على إقامة منظمات شبه عسكرية للدفاع عن المستعمرات و ممتلكاتها. و قد ألزم أعضاء الهجرة الثانية المستوطنين القدامى بتوظيفهم كحراس، و بالتالي توليهم أمن المستعمرات، عبر منظمة «الحارس» (هشومير) المسلحة بصورة شبه علنية.
لقد حمل أعضاء الهجرة الثانية معهم من روسيا فكرة العنف المسلح لفرض وجودهم القسري على السكان العرب الفلسطينيين. و كان هؤلاء قد مارسوا مثل هذا النشاط في أوديسا و هومل و غيرهما، في أثناء الاضطرابات في روسيا. و كان نشطاء العمل المسلح بين طلائع المهاجرين، و منهم: يحزقئيل خانكين و يتسحاق بن- تسفي و يسرائيل شوحط و إسكندر زايد و غيرهم. و منذ وطئت أقدامهم أرض فلسطين، و نزلوا المستعمرات القائمة كعمال، راحوا يتآمرون لفرض حمايتهم على المستوطنين القدامى. و انتهزوا فرصة فشل ترتيبات الحراسة التي وضعها هؤلاء المستوطنون في زخرون يعقوف و رحوفوت و بيتح تكفا و ريشون لتسيون، لطرح أنفسهم حراسا على أرواح المستوطنين و ممتلكاتهم. و كان هؤلاء قد وضعوا بعض الترتيبات للحراسة، قام بها «نواطير» خيالة. و لما فشل هؤلاء النواطير في صيانة أمن المستعمرات، استبدلوا بنواطير محليين. و انتهز المهاجرون الجدد هذا الوضع للتآمر و التحريض، من منطلق شعار العمل العبري، الذي حملوه معهم من