الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٣٠
إمبراطور ألمانيا أن تشكل «دولة اليهود» محمية ألمانية، مرتبطة بما سماه «المجال الحيوي الشرقي» لألمانيا. و في لندن عرض على تشمبرلين، وزير المستعمرات آنذاك، أن تقوم الدولة الصهيونية بحماية قناة السويس. و في روسيا تعهد لوزير داخليتها، بليفيه، المعروف ببطشه باليهود، أن يخلص روسيا من العناصر اليهودية المنخرطة في الحركات الاشتراكية و الثورية، و التي صارت تهدد حكومة القيصر.
و بعد عام من نشر كتابه، نجح هيرتسل في عقد المؤتمر الصهيوني الأول برئاسته، في مدينة بازل (بال) السويسرية (١٨٩٧ م)، و بحضور ١٩٧ مندوبا عن الهيئات و المنظمات و الجمعيات الصهيونية المتعددة في العالم. و كان المؤتمر منعطفا في العمل الصهيوني، إذ تأسست به «المنظمة الصهيونية العالمية» و أقر نظامها الداخلي و هيكلها التنظيمي و شروط العضوية فيها، التي فتحت الباب أمام كل يهودي يتبنى «برنامج بازل»، و يدفع رسم الاشتراك (الشيكل). و بعد المؤتمر، انصرفت المنظمة الصهيونية، عبر هيئاتها المنتخبة، إلى العمل على جبهتين: يهودية، ترمي إلى استقطاب اليهود للمشروع الصهيوني؛ و دولية، تسعى لكسب التأييد الدولي له، على قاعدة برنامج بازل. و كان القرار الأساسي الذي اتخذه المؤتمر ينصّ «أن غاية الصهيونية هي إيجاد وطن للشعب اليهودي في فلسطين، يضمنه القانون العام.» و حدّد المؤتمر محاور العمل الصهيوني، كما يلي: ١) العمل على استعمار فلسطين بالعمال اليهود، الزراعيين و الصناعيين، و غيرهم؛ ٢) تنظيم يهود العالم في منظمات محلية و دولية تتلاءم مع القوانين المتبعة في كل بلد؛ ٣) تقوية المشاعر اليهودية و الوعي القومي اليهودي؛ ٤) اتخاذ الخطوات التمهيدية للحصول على الموافقة الضرورية (البراءة) لتحقيق أهداف الصهيونية.
و في الواقع، فإنه بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، تزايدت وتيرة النشاط الصهيوني في المجالات الأربعة التي حددها برنامج بازل. فعلى صعيد الاستيطان، انطلقت «الهجرة الثانية» (١٩٠٤ م)، و أساسا من أوروبا الشرقية. و كان المهاجرون في الأغلب من أبناء الطبقة الوسطى، الذين تأثروا بالأفكار الاشتراكية التي راجت في روسيا آنذاك، و بالتحديد بصيغتها «اليهودية- الصهيونية» (البوند). و قد أدّت الاضطرابات التي اندلعت في كيشينيف (١٩٠٣- ١٩٠٥ م)، بما واكبها من اضطهاد لليهود، دورا في تحريك هذه الموجة من الهجرة الصهيونية. كما استعمل هؤلاء الشعارات الاشتراكية التي تعلموها في روسيا كغطاء للتهويد الاستيطاني، عبر طرح شعار «العمل العبري»، الذي كان في الأساس يرمي إلى مقاطعة العمل العربي، أي استبدال العمال العرب في المستعمرات اليهودية بمهاجرين