الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٨
لتجسيد المشروع الصهيوني من دون ربطه عضويا و مصيريا بالمشروع الإمبريالي العام إزاء منطقة الشرق الأوسط.
ولد هيرتسل في المجر، و كان والده تاجرا ميسورا، قطع في نمط حياته شوطا على طريق الاندماج بمحيطه، فنشأ ابنه على الثقافة الألمانية. و عندما انتقلت العائلة إلى فيينا، درس هيرتسل القانون، و ظلت ثقافته اليهودية ضئيلة. و عمل بالمحاماة، و من ثمّ بالصحافة. و في سنة ١٨٩١ م، سافر إلى باريس كمراسل لصحيفة «نيوفراي برس»، ليغطي أحداث محاكمة درايفوس، الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي، الذي اتهمه أقرانه بالخيانة. و تأثر هيرتسل بمجريات المحاكمة وردات الفعل المتناقضة عليها، فاستعاد وعيه اليهودي، و شغل بإيجاد الحل للمسألة اليهودية. و بداية رأى الحل في الاندماج، و طرح على اليهود اعتناق المسيحية بصورة جماعية، أو الالتحاق بالتيارات الاشتراكية. و لكنه سرعان ما عدل عن هذه الأفكار و تحول إلى الصهيونية، مقتنعا باستحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم، أو استيعابهم جميعا في أميركا. و بذلك خلص إلى نتيجة مفادها ضرورة إقامة «دولة يهودية» لهم، ليس بالضرورة في فلسطين، و لكن بالتأكيد من خلال التعاون مع الدول الكبرى، و في ظل حمايتها و دعمها، لقاء الخدمات التي ستقدمها تلك الدولة اليهودية لمصالح الدولة الراعية.
و أسوة بسلفه من دعاة العمل الصهيوني، توجه هيرتسل أولا إلى أثرياء اليهود لتمويل مشروعه الاستيطاني. و اتصل بالبارون هيرش، و كذلك بالبارون إدموند دو روتشيلد، لإقناعهما باستثمار أموالهما في توطين اليهود في دولة مستقلة، فلسطين أو الأرجنتين، أو أي مكان آخر يتوفر حاليا، و يتم ذلك عبر «شراء وطن» لهم. و كانت فكرة شراء فلسطين مسألة مطروحة بصورة جدية بين الصهيونيين. و لكن أفكار هيرتسل قوبلت بالاستخفاف من قبل الرأسماليين اليهود في أوروبا الغربية، الذين اندمجوا تماما في الفئات السائدة ببلادهم، و انخرطوا في مشاريعها الاستعمارية. و في سنة ١٨٩٦ م، جمع هيرتسل أفكاره و اقتراحاته في كتاب بعنوان «دولة اليهود». و انطلق في أطروحته من أن معاداة السامية خصيصة حتمية لكل المجتمعات المعاصرة على تعدد نظمها. و لذلك انتهى إلى الاستنتاج بضرورة إقامة دولة لليهود. و حدد أدوات مشروعه: «جمعية يهودية» للإعداد السياسي و العلمي؛ و «وكالة يهودية» للتنفيذ العملي؛ و «براءة» من الدول الكبرى، أو من إحداها على الأقل.
و كتاب هيرتسل «دولة اليهود» خليط عجيب من الأفكار القومية الغيبية، و النظريات الاستعمارية الاسترجاعية، و المشاريع الاستثمارية الاستغلالية، مع ما يرافقها من طروحات عنصرية. فهو يجمع بين النزعة العرقية العنصرية