الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢٢
و بإقدامها على الخطوة الأولى بالهجرة و الاستيطان، دشنت مرحلة جديدة في الصهيونية- انتقالها من حيز الفكرة إلى صعيد التطبيق العملي. و تتالت بعدها الهجرات في الفترات التالية: الثانية (١٩٠٤- ١٩١٤ م) و الثالثة (١٩١٩- ١٩٢٣ م) و الرابعة (١٩٢٤- ١٩٣١ م) و الخامسة (١٩٣٢- ١٩٣٩ م) و السادسة (خلال الحرب العالمية الثانية و بعدها إلى ١٩٤٨ م) و السابعة (بعد ذلك). و كل هجرة منها تحددت إنجازاتها بحسب أهدافها و الأوضاع التي واكبتها و قدرة مؤسساتها على تجسيد المشروع الصهيوني؛ أيديولوجيا بتجنيد اليهود للهجرة، و سياسيا بالحصول على دعم القوى الكبرى، و عمليا بتعزيز الاستيطان اليهودي في فلسطين. أمّا الهجرة الأولى، فقد اصطدمت بعقبات كبيرة ذاتية و موضوعية، وضعتها على حافة الانهيار، الأمر الذي أحبط آمال المستوطنين، و لكنه شجع النشاط السياسي في المراكز الإمبريالية، عبر استغلال التطورات و الأحداث الكبيرة على المسرح العالمي.
لقد بنت حركة بيلو آمالا كبيرة على نجاحها، الذي لو تحقق لشكلت قدوة ليهود العالم، كما اعتقدت، و بالتالي يقوم «المركز القومي اليهودي». و لكنها ما لبثت أن انطلقت حتى تعرقلت، سواء لأسباب ذاتية- قلة المهاجرين و ندرة الموارد المالية و غياب الخبرة في العمل الجديد- أو لأسباب موضوعية- المعارضة العثمانية و المقاومة العربية. فانتقال المستوطنين إلى حياة جديدة متباينة جذريا، و في أرض غريبة عنهم، أصابهم بخيبة أمل مريرة. و كان عليهم أن يبدأوا من الصفر، في عمل تنقصهم فيه الخبرة، و حتى الأهلية الجسدية و النفسية، و لم يكونوا مهيئين، لا جسديا و لا نفسيا أو معرفيا، للصمود أمام متطلبات الواقع الجديد. لقد جاؤوا من المدن، و من أوساط البورجوازية الصغيرة، ليعملوا في الزراعة في أوضاع مناخية و إقليمية لم يعتادوا عليها. و دبت فيهم الأمراض التي تنقصهم المناعة الذاتية ضدها- الملاريا.
و في المقابل، فرضت السلطات العثمانية قيودا صعبة على تحركهم، خوفا من ازدياد نفوذ الدول الأوروبية في أراضي السلطنة. فحظرت عليهم شراء الأراضي و بناء البيوت، و كان عليهم الالتفاف على القوانين بأساليب ملتوية. و كذلك كان على المستوطنين أن يحموا أنفسهم و ممتلكاتهم إزاء المقاومة العربية، إذ رأى السكان المحليون فيهم عنصرا غريبا، يسعى لإزاحتهم من أراضيهم و الحلول مكانهم.
و بينما هذه المستعمرات على حافة الانهيار، انبرى البارون إدموند دو روتشيلد لإنقاذها، و بالتالي وضع اليد عليها. فاعتمد الموظفون الذين أرسلهم أسلوب عمل الفرنسيين في شمال إفريقيا «الكولون». و في سنة ١٨٨٣ م أقام البارون مستعمرة عقرون، و أرسل مرشدين لتدريب المستوطنين في فروع الزراعة. و قد تطور هذا