الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٢
الأوضاع الملائمة لإنسان النيوليت لحل المشكلات الحياتية التي و اكبت انتقاله من الترحال إلى الاستقرار؛ و الأكيد أنه أفاد من الإنجازات الحضارية المادية التي ورثها عن أسلافه، و تحديدا النطوفيين، الذين هجروا المغاور، و أقاموا القرى في العراء، حيث تبلورت، إلى جانب الصيد، بدايات عملية الزراعة و تدجين الحيوانات.
و يرى الكثيرون من الباحثين أن هذا الانعطاف الزراعي كان وليد الحاجة، و جاء حلّا لأزمة اقتصادية، نجمت عن تحوّل المناخ نحو المزيد من الجفاف، جعل إنسان النيوليت يواجه هذه الأزمة بالبحث عن حلّ لها، بدلا من الاستسلام لها بالرحيل.
و قد نجح في توجهه هذا بفضل تضافر عوامل بيئية، من جهة، و مستوى حضاري مادي و درجة من الوعي و التنظيم الاجتماعيين، من جهة أخرى. و الأكيد أن تزامن هذه التحوّلات المناخية مع ابتكارات حضارية مهمة، لا يمكن أن يكون مصادفة، و لا بدّ من وجود علاقة جدلية بينهما. فمن دون التناغم البيئي مع المستوى الحضاري، و بالتالي قدرة الإنسان الفكرية على صوغ علاقة جدلية تقدمية بينهما، لما حدثت هذه الثورة النيوليتية؛ و هي بالتأكيد لم تحدث بصورة انقلابية حادة.
فضلا عن التفاعل بين إنسان النيوليت و بيئته، لا بدّ من إيلاء أهمية خاصة إلى التفاعل بين الجماعات البشرية التي استقرت، أي العلاقات الخارجية، و إلى التناغم الاجتماعي داخل تلك الجماعات، أي العلاقات الداخلية. فالجماعات المستقرة حددت بالضرورة مجالا حيويا لها، و بالتالي صاغت نمطا من العلاقات مع الجوار، سلما أو حربا. و في الوقت نفسه، راحت مع الاستقرار تصوغ علاقات داخلية، أخذت بالضرورة منحى جديدا من التعاون و التنظيم و تحديد الحدود بين العام و الخاص و الاحتراف و التخصص ... إلخ. فالاستقرار، و لضرورات ذاتية، و قيود خارجية تفرضها كثافة انتشار القرى و تخومها الحيوية، فرض على هذا الإنسان أن يبحث عن حلول للمشكلات التي تواجهه نتيجة التقلبات المناخية في الرقعة التي يسيطر عليها، و ليس بالردّ العفوي كما كان يفعل في السابق، أي بالرحيل إلى مواقع أخرى، سعيا لمصادر الغذاء. و بهذا يكون الاستقرار وضع قيودا داخلية و خارجية على حياة التنقل، و أسّس لتشكل المجتمعات الحضرية.
و عندما فقد هذا الإنسان حرية التجوال بحسب فصول السنة، بين المنخفضات و المرتفعات، و أصبح مرتبطا بالجماعة التي يعيش بين ظهرانيها، و بالرقعة التي راح يراكم فيها ثروته المادية، و يقيم فيها بيته، و ينمي قطيعه، و يزرع قطعة أرضه، فإنه دخل مرحلة جديدة في حياته. و قد واجه إنسان النيوليت المشكلات الاجتماعية للحياة الجماعية في القرية الزراعية، فكان لا بدّ من تشكيل سلطة، من فرد أو أكثر،