الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٦
هؤلاء المفكرين رجال السياسة اليهود، ممن كانوا منخرطين في مؤسسات الدولة و العمل في مرافقها، و ممن رأوا في هذه الأفكار حلا للمسألة اليهودية، و بالتالي إخراجا لهم من الإحراج الاجتماعي، بسبب أصولهم اليهودية، و فرصة يقدمون فيها خدماتهم «اليهودية» للمؤسسة الحاكمة في بلادهم، تبريرا لمواقعهم فيها إزاء أترابهم من غير اليهود، و خصوصا أنهم، بسبب يهوديتهم، لم يتمتعوا في نظر هؤلاء الأتراب باحترام كبير.
و بصمات الاستعمار واضحة في المشروع الصهيوني، و عبر مراحله المتعددة، سواء لناحية الفكر أو الممارسة. و النخب اليهودية الصهيونية في تقديمها هذا المشروع إلى التجمعات اليهودية أسبغت عليه حلة يهودية، ليصبح مستساغا لسكانها. و نظرا إلى افتقار هذا المشروع إلى قاعدة شعبية في تلك التجمعات، فقد استندت النخب الصهيونية في نشاطها إلى دعم بؤر محددة في المراكز الإمبريالية، و تنقلت بين تلك المراكز، تعرض عليها الخدمات، عبر توطين اليهود المهجرين من مواطنهم الأصلية في المواقع التي تخدم مصالح المركز المعني. و عندما نالت تلك النخب الموافقة الرسمية على خططها، توجهت إلى الجماعات اليهودية لتجنيدها في خدمة المشروع الصهيوني، بحيث تكون عمليا مادته. و بذلك طال تآمر تلك النخب الجماعات اليهودية قبل أن يصل إلى غيرها. و حتى بعد أن تولت قيادة العمل الصهيوني، ظلت مشكلتها الرئيسية مع اليهود أنفسهم لفترة طويلة، و لذلك لم تتورع تلك النخب عن اللجوء إلى الأساليب الملتوية لإكراههم على الهجرة إلى فلسطين تحديدا، و الاستيطان فيها وفق البرنامج الصهيوني- الإمبريالي.
و بعد أخذ ورد، التقى الشريكان- الصهيونية العالمية و الاستعمار- و كل منهما لأسبابه الخاصة و من زاوية نظره إلى المشروع المشترك، على اختيار فلسطين قاعدة للاستيطان الاستعماري. فبالنسبة إلى الشريك الأصغر- الحركة الصهيونية- كان للتراث اليهودي و علاقته بفلسطين الأثر الحاسم في تحديد الرقعة الجغرافية التي سيقوم عليها الاستيطان (الثكنة)، بينما أدّى موقع فلسطين الاستراتيجي، و خصوصا بعد العبر المستخلصة من حملتي نابليون و محمد علي، و حفر قناة السويس، دورا حاسما في ذلك الاختيار. و بينما أرادها الشريك الأصغر و الأضعف لبناء دولته اليهودية، بحيث تكون باليهود و منهم و إليهم، أرادها الشريك الأكبر و الأقوى قاعدة للعدوان على الأمة العربية. و لكي تكون قاعدة ملائمة للمشروع الصهيوني، كان لا بدّ من إجلاء سكانها الأصليين و تهويدها- أرضا و شعبا و سوقا. و بذلك يتباين الاستيطان الصهيوني عن أترابه في روديسيا و جنوب إفريقيا، كونه إجلائيا، لا يرمي إلى استغلال