الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٢
العلاقات بين التيارات المتعددة فيها، و خارجية، على صعيد العلاقات مع الفئات الرأسمالية السائدة. و انتهزت تلك النخب الأوضاع المتوترة بين اليهود و محيطهم، لتطرح نفسها وسيطا، يعمل على حل المشكلات المتفاقمة بين الجانبين، عبر تجنيد اليهود و تهجيرهم و توطينهم في مواقع تخدم مصالح الفئات الرأسمالية السائدة.
و بالتالي تخفف من حدة التوتر القائم بين الطرفين، من جهة، و تبرر وجودها هي، من جهة أخرى.
و مهما يكن الأمر، فإن جملة المزاعم الصهيونية بشأن القومية اليهودية و الحق التاريخي في فلسطين، و الدعوى الاسترجاعية في الأجواء الثقافية الأوروبية، و المسألة اليهودية و مجمل عناصرها وردات الفعل عليها، ما كان لها أن تشكل ظاهرة قابلة للحياة خارج إيقاعات المسألة الشرقية، و الصراع الإمبريالي بشأن المنطقة.
و الإنجازات العملية التي حققتها الصهيونية، لا يمكن أن تعزى إلى الفعل اليهودي الذاتي، انطلاقا من الطروحات المزيفة للتاريخ، و لا إلى المزاعم الصهيونية و الدعاوى الاسترجاعية، و لا إلى التنظيم الداخلي، فحسب، بل إلى الديناميات الحقيقية لتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر، أولا و قبل كل شيء. و من هنا تبرز أهمية دراسة عناصر الفكرة الصهيونية، و كيف تمت بلورتها، و من هي القوى صاحبة المصلحة في ترويجها و العمل على تجسيدها، من أجل فهم شمولي للظاهرة الصهيونية. و على هذا الصعيد، تبرز المراكز الإمبريالية و مخططاتها و التنافس بينها بشأن اقتسام أراضي السلطنة العثمانية، و كذلك دور النخب اليهودية المندمجة في نسيج الفئات السائدة في تلك المراكز.
و إذا كانت منطلقات الفكرة الصهيونية- إقامة كيان سياسي يهودي عبر الهجرة و الاستيطان- لا يستقيم فهمها بمعزل عن محيطها الأوروبي، فإن التجسيد العملي للمشروع الصهيوني لا تتضح معالمه من دون الربط الجدلي بين بنائه و نشاط مؤسساته، و كذلك بين بروزه و الظواهر السياسية التي واكبت ذلك، زمانا و مكانا. و بناء عليه، فلا بدّ من الربط الجدلي بين الظواهر الرئيسية التي حكمت تاريخ الشرق الأدنى خلال القرن الأخير لفهم شمولي للمشروع الصهيوني. و عبر هذا الربط يمكن استنباط العلاقة الجدلية بين تلك الظواهر، و بالتالي تحديد دور الإمبريالية الأوروبية، و البريطانية منها تحديدا، في صوغ المشروع الصهيوني، فكرا و ممارسة. و بناء عليه، يمكن فهم الدور المنوط بالمشروع الصهيوني في المنطقة، على أرضية التطورات الجارية فيها. و إذ لا شك في أن العامل اليهودي كان ذا أهمية في تشكل الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين، فإن العامل الإمبريالي يبقى هو الحاسم