الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣١٠
إليها «أبناء إسرائيل» تحت راية «المشيح» في «آخر الأيام». و بناء عليه، و على اعتبار أن التاريخ من صنع البشر، فإن هذه المقولات الطوباوية لا تمت إليه بصلة.
و في القرن التاسع عشر، تضافرت عوامل ذاتية في التجمعات اليهودية الأوروبية، على قاعدة «المسألة اليهودية»، و عوامل أوروبية عامة، في إطار «المسألة الشرقية» لتحرك «الفكرة الصهيونية»، و تنتقل بها من المجرد إلى الملموس في «المشروع الصهيوني» العملي. و قد تبلورت الفكرة الصهيونية في حاضنة «الأفكار الاسترجاعية»، التي انتشرت في المناخ الحضاري الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، و ترعرعت في الأجواء السياسية التي سادت أوروبا خلال القرن التاسع عشر- أجواء الإمبريالية- و خصوصا بعد سنة ١٨٧٠ م. و الصهيونية صاغت منطلقاتها الفكرية، و كذلك سبل و وسائل تجسيد مشروعها العملي، مستغلة الأزمات الناجمة عن المسألتين- اليهودية و الإمبريالية. ففي الشق اليهودي، وظفت الفكر الاسترجاعي، بطابعه اليهودي الغيبي، لتطرح نفسها الوسيلة لإخراج اليهود من أزمتهم المتفاقمة داخل المجتمعات الأوروبية. أمّا في الشق الإمبريالي، فقد طرحت نفسها سبيلا إلى تذليل العقبات الناجمة عن الهدف الإمبريالي في تطويع شعوب المنطقة العربية لإملاءاته، عبر إقامة مشروع استيطاني، يشكل مركزا إقليميا مناهضا لحركة شعوب المنطقة في مواجهة الغزو الإمبريالي.
ففي الجوهر، الصهيونية حركة أوروبية الجذور، فكرا و ممارسة، إذ نشأت و ترعرعت في أجواء القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر. و في الظاهر، غطت مقولاتها بخطاب ديني يهودي استرجاعي. و لأنها حركة مفتعلة و مفبركة، كان لا بدّ من التمويه على الجوهر فيها، بمزاعم و مقولات زائفة، سواء لناحية المضمون في الفكرة السياسية- «الدولة القومية تحل المسألة القومية»- أو لناحية تجسيدها في الواقع عبر الاستعمار الاستيطاني، الذي سبقتها إليه الدول الأوروبية في بقاع متعددة من العالم.
و قد تقدمت الصهيونية بمشروعها على قاعدة الاسترجاع، من منطلق أسطورة «شعب اللّه المختار»، و «أرض الميعاد»، و «عودة الشعب المختار إلى وطنه». أمّا في الممارسة العملية، فكان لا بدّ لحركة من هذا النمط أن تعتمد أسلوب «التآمر» السياسي و الدبلوماسي، و استغلال التناقض بين القوى، لتمرير مشروعها، ذي الطبيعة المزدوجة- اليهودية و الإمبريالية.
و في تقليدها للحركات القومية الأوروبية، برزت الصهيونية كظاهرة مصطنعة، إذ لم تتوفر لديها الشروط المسبقة، أو المقومات الكيانية، للادعاء بأنها «حركة قومية»، تسعى لإقامة «دولة قومية»، و تحقيق السيادة السياسية فيها، أسوة بالقوميات الأخرى.