الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٠٩
الفصل السادس الصّراع بشأن فلسطين
أولا: بداية الاستيطان الصهيوني
«الصهيونية» اسم لحركة سياسية انتشرت بين يهود أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، و تبلورت من فكرة مجردة إلى مشروع عمل استيطاني في فلسطين، يرمي إلى إقامة كيان سياسي لليهود فيها. و اللفظ مشتق من كلمة «تسيون» العبرية، و هي اسم لجبل يقع جنوبي غربي القدس (جبل صهيون)، يحج إليه اليهود لاعتقادهم أن الملك داود دفن هناك. و في التراث الديني اليهودي أن «يهوى» يسكن هناك (مزامير ٩/ ١١)، إذ يرد القول «رنّموا للرب الساكن في صهيون.» و بمرور الزمن صار الاسم يستعمل مجازا للدلالة على القدس، و اتسع ليشمل «الأرض المقدسة» (فلسطين) كلها، بل اليهود عامة. و في العصر الحديث، طرحه كمصطلح ذي مضمون سياسي الصحافي اليهودي النمساوي الأصل، ناثان بيرنباوم (١٨٦٣- ١٩٣٧ م)، ليصف به الحركة السياسية الداعية إلى تهجير يهود العالم إلى فلسطين، و توطينهم هناك، بناء على الدعوى بالحق التاريخي لهم فيها، و بالتالي الحق في إقامة كيان سياسي يهودي عليها.
و في المنظور اليهودي للتاريخ، و بالتالي لعلاقة اللّه بالكون و شعوبه، تبرز فكرة «شعب اللّه المختار» (اليهود)، الذي اصطفاه اللّه من بين شعوب الأرض الأخرى، ليحمل رسالة متميّزة، و سمات خاصة (عنصرية)، تفصله عنها. و هذا «الاختيار الإلهي» يضفي على اليهود نفحة من القدسية ليست لغيرهم، و بناء عليه، فهم بهذا التخصيص «نور الشعوب»، يفوقونها كما يتميّزون عنها. و ورد في التوراة (سفر التثنية ١٤/ ٢): «لأنك شعب مقدس للرب إلهك. و قد اختارك الرب لكي تكون له شعبا خاصا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض.» و في المنظور الطوباوي إياه، يرتبط اختيار «الشعب» باختيار «الأرض»، إذ إن للشعب المختار أرضه المختارة، و بالتالي المقدسة. و لأن الجمع بين هذا الشعب و الأرض هو إرادة إلهية، فقد أصبحت «أرض إسرائيل» (فلسطين) هي «أرض الميعاد»، التي وعد إله إسرائيل إبراهيم بها، و عاهده أن تكون لنسله من بعده، كما أنها «أرض الميعاد» التي سيعود