الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٣٠٥
النشاشيبي، الذي دعا إلى وضع تشريع خاص، يرمي إلى منع بيع الأراضي للمستوطنين. كما هاجم الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية، و التي تغطي التفاف الحركة الصهيونية على القوانين السائدة في البلاد.
إلّا إنه على الرغم من مقاومة الفلاحين و البدو العنيفة، و حملات الصحف التحريضية، و نشاط القوى السياسية، فقد استمر الاستيطان الصهيوني، بل تعزز عبر «الهجرة الثانية» (١٩٠٤- ١٩١٤ م). و لم تحل القيود على الهجرة، و قوانين منع بيع الأراضي للمستوطنين، دون استمرار تلك الهجرة و شراء الأراضي. و قد تضافرت عدة عوامل لجعل ذلك ممكنا: فساد جهاز الدولة العثماني و تواطؤ العثمانيين الجدد مع الأهداف الصهيونية و نشاط قناصل الدول الأجنبية لمصلحتها و غيرها. و يبقى من أهم عوامل استمرار الاستيطان تمكّن الحركة الصهيونية من شراء الأراضي. و قد أدّت طبيعة ملكية الأرض في البلاد دورا رئيسيا في ذلك. و بينما كانت الدولة تملك الجزء الأكبر من «الأرض الميري»، فقد تركزت مساحات واسعة منها في أيدي ملاكين غائبين، وضعوا يدهم عليها عبر الالتزام، أو الشراء بالمزاد العلني من الدولة التي صادرتها لعجز الفلاحين عن دفع الضرائب المستحقة عليها. و تفيد المصادر أن ما باعه الفلاحون في الفترة ١٩٠١- ١٩١٤ م لا يتجاوز ٣، ٤% من مجموع ما اشترته الحركة الصهيونية، و الباقي تم شراؤه من الدولة، أو من الملاكين الغائبين.
و كذلك، بغض النظر عن الحملات الصحافية، و النشاط السياسي المناهض لبيع الأراضي، و الدعوات المتكررة للملاكين إلى الكف عن عقد الصفقات العقارية مع الحركة الصهيونية، مباشرة أو مداورة، فقد استمر هذا البيع. و وجهت صحيفتا «الكرمل» و «فلسطين» انتقادات عنيفة إلى الملاكين الكبار، الذين يتظاهرون بالحرص على المصلحة الوطنية، و يتواطؤون مع السلطة العثمانية على بيع الأراضي، و جني الأرباح الطائلة منه. و كان بعض العائلات، من سكان المدن، يملك مساحات واسعة من الأراضي في الريف، تمّ وضع اليد عليها بوسائل شتى. كما ساعدت قوانين الإصلاحات العثمانية المتعلقة بملكية الأراضي في تمركز مساحات كبيرة إضافية في أيدي تلك العائلات، إذ عمد الكثيرون من الفلاحين إلى تسجيل أراضيهم باسم تلك العائلات، تهربا من الضرائب و الجندية. و بسبب ديونهم، باع الفلاحون تلك الأراضي، أو صادرتها الدولة و باعتها بالمزاد العلني، فاشتراها التجار و الإقطاعيون و سماسرة العقارات، أو المؤسسات الأجنبية.
و قد رضخ بعض العائلات، ممن كانت الأرض بالنسبة إليها عبارة عن سلعة، و خصوصا أنها لم تكن تقيم عليها، لإغراءات العروض السخية التي قدمها إليها