الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٨٩
كان ذلك عبر التعاون مع الدول الأوروبية. و رأى المعبرون، فكريا و سياسيا، عن الحركة الوطنية في بلاد الشام، أن استمرار الحكم العثماني يكبح تطور الأقطار العربية، اقتصاديا و حضاريا و ثقافيا. و تعزز الشعور المعادي للحكم العثماني مع طغيان الاستبداد في عهد عبد الحميد، من جهة، و تنامي النزعات «الطورانية» (القومية التركية) في أوساط الإصلاحيين الأتراك، و دعوتهم إلى توحيد شعوب السلطنة على أساسها، الأمر الذي يعني إلغاء الخصوصية العربية، من جهة أخرى. في المقابل، و تحت تأثير الأفكار الأوروبية عن حرية الفرد و الديمقراطية، ازداد التذمر و التململ بين العرب تحت نير الحكم العثماني المستبد. و ساعد على تنامي الشعور بالغبن و الظلم تردي الأوضاع الاقتصادية، و سوء تصرف الجهاز الحكومي، و إلغاء الدستور، و تعليق البرلمان، و طرد أعضائه العرب من إستنبول، و مطاردتهم. و لكن الوطنيين في بلاد الشام تعاطفوا مع «ثورة عرابي باشا» في مصر، و مع «حركة المهدي» في السودان.
و نتيجة الاستبداد الحميدي و الردة على الإصلاحات و كبت الحريات، الخاصة و العامة، و الإرهاب على أصحاب الفكر و نشطاء العمل السياسي، تشكلت جمعيات سياسية سرية، من مثقفين و رجال حكومة و ضباط في الجيش و دبلوماسيين، تعارفوا في النوادي الأدبية التي أقيمت في تلك الفترة. و في هذه الجمعيات تركز النقاش حول السياسة و الوطنية و الحكم، و من خلال النشاط فيها تحول المثقفون إلى ثوريين، يعنون بالجانب العملي من السياسة، و ليس النظري فقط. و بينما تبلور حزب سياسي في مصر بزعامة مصطفى كامل (الحزب الوطني)، فإن هذه الجمعيات في بلاد الشام لم تتحول إلى أحزاب، لكنها مهدت الطريق أمام تشكل أحزاب متعددة لاحقا. و قد عبرت المنشورات التي وزعتها جمعية سرية صغيرة (١٨٧٨- ١٨٨٠ م)، تأسست من حلقة حول بطرس البستاني (١٨٧٥ م)، عن أهداف الحركة الوطنية في بلاد الشام.
ودعت المنشورات إلى وحدة «سورية الكبرى»، و إلى حصولها على الحكم الذاتي، و الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية، و رفع القيود عن حرية التعبير و المعرفة، و اقتصار النشاط العسكري للمجندين السوريين على حدود بلادهم، من دون إرسالهم إلى جبهات القتال البعيدة، و خصوصا مع روسيا، إذ نشب القتال بينها و بين السلطنة في نهاية السبعينات.
و اضطر الإرهاب الحميدي رموز هذه الجمعيات من الكتّاب و المفكرين إلى الهجرة إلى مصر، مثل الدكتور فارس نمر و جورجي زيدان و إبراهيم اليازجي و الأخوين تقلا و غيرهم. و ازدادت الرقابة على المنشورات و النشاطات