الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٨٤
و الانتماء الوجداني إليها، و هما قديمان قدم التاريخ العربي. أمّا البعض الآخر، فكان موضوعيا، يتعلق بتفاعل العوامل التي أوجدت الواقع المحفز على بروز حالة من الوعي للذات، تتطلب إيجاد صيغ تنظيمية لتجسيدها في ذلك الواقع، سواء للانسجام معه، أو لتغييره. و في جدل العلاقة بين الذاتي و الموضوعي في بروز ظاهرة الحركة القومية العربية، و في إطارها الحركات الوطنية في الأقطار المتعددة أيضا، أخذا في الاعتبار الواقع القائم في بلاد الشام في القرن التاسع عشر، يتضح أن العامل القائد في بعث الوعي القومي من حالة الكمون الوجداني إلى الفعل السياسي العملي، كان خارجيا. فلم يكن التبلور الذاتي لأوضاع الأمة هو الذي أنتج الوعي القومي، و ما ينجم عن تجسيده من نشاط، كضرورة موضوعية لمواكبة مرحلة تاريخية في مسار الأمة، و إنما الواقع الموضوعي المتناقض في حركته مع أهداف الوعي السائد للذات، هو الذي حفز ردة الفعل على تجليات تفاعل عناصر الواقع، و انعكاس تلك التجليات على الذات العربية، و بالتالي، البحث عن حلول للإشكالات الناجمة عن الجمع بين الأضداد في وحدة صراعية.
إن عهودا من الحكم الأجنبي (السلاجقة و الصليبيون و المماليك و الأتراك العثمانيون)، و تفتت الوطن العربي، قد أضعفت عوامل الوحدة العربية التي تنامت في عهد الخلافة الأول. غير أن الشعور بالانتماء إلى العروبة، و استعمال اللغة العربية في الحديث و التعبير، استمرا من دون انقطاع. فالوطن العربي ظل يعرف باسم «بلاد العرب»، و اللغة العربية ظلت أداة التعبير الأدبي و العلمي الرئيسية، و المفتاح لمعرفة علوم الدين الإسلامي، حتى في العصر العثماني. لكن الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية لتبلور وعي قومي، بالمفهوم الحديث، و بالتالي بروز حركة قومية تدعو إلى استقلال العرب و وحدتهم، لم تنضج حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. و في النصف الأول منه، تشكلت الممهدات الذاتية و الموضوعية لبروز الظاهرة على أرضية حملة نابليون، و ما تمخضت عنه من تطورات، و خصوصا في مجال العلاقات مع أوروبا، و ما نجم عنها من تفاعل سياسي و اقتصادي و فكري و علمي، معها. ففي إطار التصادم مع أوروبا الحديثة، و ما استتبعه ذلك من تحولات في المفاهيم و العلاقات، تبلور الوعي القومي العربي في مصر و بلاد الشام، التي كانت جزءا من السلطنة العثمانية، آخر الإمبراطوريات الإسلامية من القرون الوسطى.
لقد أعطت حملة نابليون دفعة قوية لحركة العلاقات بين الوطن العربي و أوروبا، بعد فترة طويلة من الركود. فنتيجة هذه الحملة، عاد الشرق ليحتل موقعا مركزيا في اهتمام دول أوروبا الرأسمالية، الأمر الذي حكم مسار الأحداث في المنطقة حتى