الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٨
النطوفي، فقد وجد في جواره ١٤ قبرا من هذا العصر. كما وجد مقبض منجل عظمي، عليه صورة رأس غزال، عثر على مثيل له في مغارة كبّارة القريبة. أمّا في مغارة الواد فعثر على لوحة حجرية نحت عليها رأس إنسان مبسّط، فضلا عن أدوات زينة و خرز و أطواق و أعلاق و حلق مصنوع من الصدف و غيرها.
و لم تتوفر حتى الآن من الشرق الأدنى أية آثار تشير إلى تعبيرات فنية عن قيم دينية قبل العصر النطوفي. غير إنه منذ بداية الحضارة النطوفية، في الألف العاشر قبل الميلاد بدأت تتجلى عبر المكتشفات الأثرية ملامح فنون النطوفيين، المعبرة عن معتقداتهم و ما يختلج في صدورهم من اهتمامات، أو ما يتفاعل في نفوسهم من مسائل الحياة، أصلها و مآلها، و من أمور البيئة المحيطة، و ما توفره أو تحجبه، و ما يريح الصانع أو يزعجه. و من الرسوم و المنحوتات و الدمى التي وصلت إلينا، يبرز الفن النطوفي تصويرا و تشخيصا مبسطا، تناول الحيوان بصورة عامة، و الغزال بصورة خاصة، و نادرا ما جسّد البشر.
و يتضح أن النطوفيين أولوا موتاهم عناية خاصة، و لا يكاد يخلو موقع جرى التنقيب فيه من مدافن للموتى، جماعية أو فردية، و هي حفر ضحلة متقاربة، توضع الجثث فيها مثنيّة و أطرافها مربوطة بألياف الأشجار. و كانت لهم طقوس في الدفن أظهرت رفضهم فكرة أن الموت هو نهاية الحياة، فزودوا الميت بحاجاته المفترضة و دفنوها معه، من طعام و سلاح و أدوات زينة. و كانوا يخضبون هذه الجثث، كأنما يعدّونها لحياة أخرى. و تجدر الإشارة إلى أنه تم العثور في موقع عين الملاحة على كلب دفن مع صاحبه في قبر واحد. و قد يكون قد تمّ تدجينه في ذلك الحين.
و كشفت التنقيبات الحديثة انتشار الحضارة النطوفية، و إن ببعض التمايزات المحلية، من بحر قزوين (مغارة بلط)، إلى تونس (قفصة)، مرورا بمصر (حلوان).
أمّا في الهلال الخصيب فقد اكتشفت تلك الحضارة في موقعي زارزي و شانيدار في شمال العراق، و في عدد كبير من المواقع في سورية: يبرود و الكوم (البادية السورية) و الحمر (قرب دير الزور) و الطيبة (قرب درعا) و جيرود (قرب دمشق) و في الموقعين المهمين: المريبط و أبو هريرة، في حوض الفرات. و وجدت أيضا في مغارة جعيتا و غيرها في لبنان، و مواقع البيضا و العسافات و عين راحوب في الأردن، فضلا عن عشرات المواقع في فلسطين.
و على الرغم من التساؤلات التي يطرحها بعض الباحثين بشأن وجود حضارات متمايزة اجتماعيا و اقتصاديا و تقنيا، و بالتالي من التحفظ على تعميم الوحدة الحضارية في هذا العصر على الشرق الأدنى، فإن منظورا شموليا يؤكد وجود حضارة موحدة