الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٧٤
الوجود العسكري التركي النظامي في المدن كبح هؤلاء الزعماء عن اللجوء إلى الصدام مع ممثلي الحكومة المركزية، و اتخذت المواجهة بين الطرفين منحى آخر، جرى التعبير عنه في «المجالس»، التي أنشأتها السلطة في المدن، إلى جانب الحاكم التركي.
و إذ لم تكن هذه المجالس جديدة على المدن السورية، فإن العثمانيين في فترة التنظيمات منحوها سلطات واسعة نسبيا. و مثل هذه المجالس كانت قائمة في المدن السورية الرئيسية قبل الحكم المصري (١٨٣١ م). و كانت تسمى «دواوين» (جمع ديوان). و تضم إلى جانب الحاكم، المتسلم و الدفتردار و كبار ضباط الجيش، و بعض العلماء البارزين (القاضي و المفتي) و نقيب الأشراف، و بعض الأعيان. و في إطار أوسع، كانت المجالس تضم ممثلي التجار و الحرفيين و مشايخ الطرق الصوفية. لكن صلاحياتها كانت على العموم محصورة في تقديم المشورة للحاكم. أمّا إبراهيم باشا، فقد جعل هذه المجالس ذات صلاحيات أوسع، كما حرص أن يكون تركيبها أكثر تمثيلا لقطاعات السكان المتعددة من دون استثناء، فأصبحت بمثابة هيئات مساعدة للحاكم في تصريف الأمور. و كانت تتشكل من الحاكم (المصري)، و موظفي الحكومة الكبار (المصريين أيضا)، و بعض الأعيان المحليين و كبار التجار و ممثلين عن قطاعات السكان- المسلمين و سواهم. و فضلا عن دورها في مناقشة الشؤون الإدارية و الاقتصادية و المالية و التجارية الداخلية، منحت المجالس صلاحيات قضائية في الأحوال الشخصية. أمّا القضايا التجارية و الخلافات المالية، فكانت من صلاحية محاكم خاصة، تشكلت من تجار كبار، و من الطوائف الدينية جميعها.
و عندما عاد العثمانيون إلى حكم بلاد الشام، أبقوا على المجالس فيها، و لعلهم نقلوا عنها في الولايات الأخرى. و كانت الحكومة تعيّن أعضاء المجالس من موظفي الدولة الكبار و رؤساء الطوائف الدينية، فضلا عن ممثلين منتخبين عن تلك الطوائف.
و بناء عليه، كانت المجالس العثمانية حكرا على طبقات المجتمع العليا، و بالتالي أقلّ تمثيلا ديمقراطيا من المجالس التي أقامها إبراهيم باشا. و بحسب صفتها، عالجت المجالس القضايا الإدارية و القضائية في الولاية أو السنجق أو الناحية. و تمتعت بصلاحيات واسعة، إذ إن الأمور جميعها المتعلقة بالإدارة و المال كانت تمر عبر المجالس، و تنفذ بعد موافقتها، على الرغم من أنها استشارية في الأساس. و كانت للمجالس صلاحيات قضائية، باستثناء الأحوال الشخصية، التي كانت من صلاحية المحاكم الشرعية. و تدرجت صلاحيات المجالس بحسب التراتبية الإدارية، من