الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٧١
في إستنبول، التي أنشئت سنة ١٨٦٠ م. و استعان الموظفون الأتراك، في جميع المراتب الإدارية المسؤولة بمجلس يمثل طبقات الشعب كلها وفئاته و طوائفه.
و إذ لم يضع هذا الترتيب حدّا نهائيا للفساد و سوء استعمال السلطة، فإنه قلص إلى حد كبير الاستئثار الفردي بها، و منح فئات الشعب قسطا من إدارة شؤون مجتمعهم. و بينما بقيت سلطة الزعماء العشائريين قائمة، إلّا إن تجاوزاتهم تقلصت، و تراجعت الصراعات بينهم، و بذلك قلّت أهميتهم، و بالتالي تفككت التركيبات العشائرية.
و في التنظيم الجديد، تبعت متصرفية فلسطين ولاية سورية، و ظل يحكمها متصرف مقرّه القدس. و كان يتبعها تسعة أقضية، هي: القدس و الخليل و غزة و اللد و نابلس و السامرة و بلاد الشقيف و بلاد حوران و الغور الشرقي. ثمّ فصلت متصرفية القدس عن ولاية سورية (١٨٧٣ م)، و اتبعت مباشرة لإستنبول. و كان من أسباب ذلك كثرة مشكلات هذه المتصرفية، التي تسبب في قسط كبير منها قناصل الدول الأوروبية الذين زاد عددهم، و اشتد التنافس بينهم، و بالتالي تدخلهم في إدارة شؤون البلاد.
و لأن الوالي لم يستطع التعامل مع هذه المشكلات لحساسيتها بالنسبة إلى الباب العالي، فقد أحيلت إلى هذا الأخير مباشرة. و في سنة (١٨٨٧ م)، شكلت ولاية بيروت، نظرا إلى أهميتها تجاريا و سياسيا. و تبع هذه الولاية سنجق عكا، الذي ضمّ أقضية حيفا و طبرية و صفد و الناصرة، كما تبعها سنجق البلقاء- نابلس، الذي ضم قضاءي جنين و طولكرم (بني صعب).
و يتضح من الإجراءات الإدارية التي اتخذها الباب العالي في بلاد الشام بعد الانسحاب المصري، أنه كان يرمي إلى فرض حكم إستنبول المباشر على هذه البلاد التي ظلت منذ الاحتلال العثماني تتمتع بنوع من الحكم الذاتي المحلي، في الإطار العام للسلطنة. و ذلك، ليس فقط في الريف و أطراف الصحراء، حيث القبائل القوية و الزعماء المحليون فرضوا هيمنتهم، و إنما أيضا في المدن، حيث عائلات غنية أقامت لنفسها جيوشا خاصة بها. لكن الإجراءات العثمانية المتخذة لتحقيق هدف المركزية ظلت تعتورها الثغرات، و بالتالي تنقصها النجاعة في الأداء. و إذ تقصلت سلطة الولاة، و تبعا لذلك قدرتهم على التفرد و التمرد على المركز، فقد برز عجزهم في إدارة شؤون البلاد بعد الاستقرار السياسي. و بينما أخضع الموظفون الكبار إلى المراقبة و المحاسبة و النقل الدوري، فإن الفساد الذي تفشى في الأجهزة و المراتب الدنيا ظل على ما كان عليه، بل استشرى. و كذلك الحال بالنسبة إلى ضباط و أفراد الجيش المحلي، غير النظامي. و على العموم، فإن أوضاع البلاد الاقتصادية راحت