الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦٦
العرب المحليين. و من خلال المركزية الصارمة، المستندة إلى دعم الجيش الحديث و الكبير، استطاع الجهاز الإداري إدخال إصلاحات كبيرة في نظام الحكم، و لكن ليس من دون عقبات. فالقوى المحلية، التي هيمنت على مناطقها في الفترة السابقة، وجدت نفسها تفقد سلطتها، فقاومت عملية الإصلاح الإداري، غير أن يد إبراهيم القوية أجبرتها على الرضوخ. و إذ لم ينجح تماما في كبح القبائل البدوية عن تجاوزاتها، فإنه قلص كثيرا من قدرتها على تحدي السلطة المركزية، و حدّ من اعتداءاتها على قرى الفلاحين و قوافل الحج و طرق التجارة.
و الإصلاحات الإدارية التي أدخلها إبراهيم باشا في نظام الحكم، ضربت المرتكزات التي استند إليها الزعماء المحليون في فرض هيمنتهم على مناطقهم. فقد حلّ موظفو الدولة، التابعون للحاكم الإداري في دمشق، محل أبناء العائلات الكبيرة و القوية في ممارسة السلطة بالمناطق. و جاء التجنيد الإلزامي و سحب السلاح من أيدي الناس، ليزيد من إضعاف هؤلاء الزعماء، و حرمانهم من القدرة على مقاومة إجراءات السلطة المركزية. فتقلص إلى حد كبير تأثير العائلات الإقطاعية في إدارة شؤون البلاد، و بالتالي انحسرت حدة الصراع بينها بشأن الزعامة، و ما نجم عنها من اقتتال على الامتيازات الاقتصادية. و عبر العلمنة، و حصر صلاحية المحاكم الشرعية في الأحوال الشخصية فقط، تراجع موقع العلماء في المجتمع، و فقدت العائلات الإقطاعية ركيزة أخرى من ركائز قوتها. و لا غرو، إزاء هذه الإجراءات التي عمد إليها إبراهيم باشا، و نفذها بحزم، أن ينتهز زعماء تلك العائلات كل فرصة تلوح للتمرد عليها، في محاولة لإعادة الوضع إلى سابق عهده. فاستغل هؤلاء كل حالة تململ في أوساط قطاعات السكان- فلاحين و تجار و حرفيين- و حتى الحركات الوطنية، للانضمام إليها في تحركاتها ضد السلطة.
و يلفت النظر أن إصلاحات إبراهيم باشا، التي كان من شأنها أن تحسن أوضاع عامة الناس، و بالتالي تتمتع بتأييدهم، قد أثارت ردات فعلهم السلبية عليها. فبعد فترة قصيرة من الركون إلى الحكم المصري، كبديل أفضل من الأوضاع السيئة التي كانت قائمة قبله، أخذت العلاقة بين هذا الحكم و الناس تتردى، على الصعد و المستويات كافة. فالإصلاحات الإدارية التي أدخلها إبراهيم باشا، ضمنت الأمن العام، و درجة أعلى من المساواة أمام القانون، و نظام ضرائب أكثر استقرارا و عدالة في مقابل الوضع السابق. و مع ذلك، انتشر التذمر و التململ بين قطاعات واسعة من الشعب، و لم يتوقفا عند الدوائر المتضررة من مركزية السلطة. و يعود ذلك في الأساس إلى ضريبة الرأس (الفردة)، التي فرضها الحكم المصري على الذكور من سن ١٤ فما فوق،