الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦١
و بعد قضائه على المماليك، و تثبيت أقدامه في مصر، و بناء قوته الذاتية، توجه محمد علي إلى محاربة الوهابيين في الجزيرة العربية، بطلب من السلطان. و استطاع في حملة دامت سبعة أعوام (١٨١١- ١٨١٨ م) أن يهزمهم و يدمر عاصمتهم الدرعية، و لكن بتكلفة عالية، بالمال و الرجال. و إذ لم يكن في موقع الصدام مع الباب العالي على بلاد الشام لتعويض خسائره، فقد توجه نحو السودان (١٨١٩ م)، حيث ذهب النوبة و تجارة العبيد و منتوجات إفريقيا. و في فترة ١٨٢٤- ١٨٢٨ م، شارك محمد علي في إخماد ثورة اليونان إلى جانب السلطان، و أرسل المدربين لبناء الجيش العثماني الجديد بعد القضاء على الإنكشارية. إلّا إنه في سنة ١٨٢٧ م، فقد أسطوله في معركة نفارينو على يد الأساطيل المشتركة لروسيا و بريطانيا و فرنسا. و بعدها لم يشارك في حرب السلطان مع روسيا (١٨٢٨- ١٨٢٩ م) بل على العكس، قرر الانفصال عن السلطنة، و عزم على انتهاز فرصة ضعفها لاحتلال بلاد الشام.
و في ٢٩ تشرين الأول/ أكتوبر ١٨٣١ م، سيّر محمد علي جيشه إلى فلسطين، بقيادة ابنه و ذراعه الأيمن، إبراهيم باشا الذي اكتسب شهرة عسكرية في حرب اليونان. و في شتاء تلك السنة، احتل غزة و يافا و القدس و حيفا و الجليل، من دون مقاومة. و قدم له الزعماء المحليون ولاءهم بإشارة من أمير جبل لبنان، بشير الشهابي حليف محمد علي. و أبقى إبراهيم باشا الشيخ حسين عبد الهادي حاكما على منطقة نابلس، و عين أبناء الشيخ قاسم الأحمد حكاما على القدس و نابلس و يافا. و بعد حصار ستة أشهر، سقطت عكا في يده في ٢٨ أيار/ مايو ١٨٣٢ م. و منها توجه إلى دمشق، فدخلها في ١٤ حزيران/ يونيو ١٨٣٢ م. و في المعركة عند بحيرة قطينة (بالقرب من حمص)، هزم الجيش العثماني في ٨ تموز/ يوليو ١٨٣٢ م، فاستسلمت حماة و حلب و أنطاكيا. و بعد موقعة بيلان في ٣٠ تموز/ يوليو ١٨٣٢ م، توغل في آسيا الصغرى، و هزم العثمانيين مجددا عند مدينة قونيا في ٢١ كانون الأول/ ديسمبر ١٨٣٢ م، و أسر «الصدر الأعظم» (رئيس الوزراء).
لقد حقق جيش محمد علي الحديث انتصارا ساحقا على الجيش العثماني، الذي كان لا يزال في طور البناء، و يلاقي السلطان صعوبات جمة في تشكيله و تزويده، بعد أن ألغى نظام الإنكشارية. و استفاد إبراهيم من حالة التذمر التي سادت بلاد الشام، جراء تردي الأوضاع الاقتصادية، و استفحال الاحتكارات الأجنبية، و إغراق السوق المحلية بالبضائع المستوردة، التي أدّت إلى كساد الصناعات المحلية و انهيار الحرف اليدوية، و كذلك من ردة فعل الناس على زيادة الضرائب لتمويل نفقات الجيش الجديد، و على التجنيد الإلزامي الذي فرض لتوفير الطاقة البشرية لذلك