الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٦٠
و تراجع عن وعده. و استغل الزعماء المحليون التناقضات بين الباب العالي و محمد علي، و بين واليي صيدا و دمشق، لزيادة دورهم السياسي، فقاموا بعدد من التمردات، بسبب الضرائب الإضافية التي فرضها والي دمشق، بذريعة تمويل قافلة الحج. و بينما السلطان محمود الثاني مشغول بتصفية الإنكشارية، و من ورائهم «الطريقة البكتاشية» الصوفية، التي كان شيوخها بمثابة المرشدين الروحيين للإنكشارية، كان محمد علي يعد لحملة على بلاد الشام.
فبعد معركة الإسكندرية (١٨٠١ م)، و هزيمة بقايا الجيش الفرنسي الذي خلفه نابليون في مصر، و ذلك على يد تحالف إنكليزي- عثماني- مملوكي، رابطت في مصر قوات من هذا التحالف. و علاوة على التوتر الذي أحدثه وجود أفراد هذه الجيوش و سلوكها مع السكان، فقد اندلع الخلاف بين حلفاء الأمس. و كانت السلطنة العثمانية، أيام سليم الثالث (١٧٨٩- ١٨٠٧ م)، تريد استعادة مصر و القضاء على حكم المماليك فيها. في المقابل، أراد الإنكليز الاحتفاظ بها، و بالتعاون المرحلي مع المماليك. و عندما أوقع الجيش العثماني بالمماليك، تدخل الإنكليز، و فرضوا على الباشا التركي إطلاق الأسرى، و إعادة ممتلكات المماليك إليهم، و كذلك سحب الأسطول العثماني من مصر، و أذعن الباشا للمطالب البريطانية. لكن الإنكليز اضطروا إلى الانسحاب بموجب معاهدة آميين (١٨٠٢ م)، و تركوا حلفاءهم المماليك تحت رحمة الجيش العثماني، الأكبر عددا و الأفضل عدة. لكن الفرقة بين قادة الجيش العثماني، سمحت للمماليك بالصمود لفترة، غير أنهم اضطروا لاحقا إلى الانسحاب إلى مصر العليا، على حدود النوبة.
و كان في صفوف الكتيبة الألبانية، من الجيش العثماني الذي أرسله الباب العالي إلى مصر، ضابط من أصل ألباني، (ولد سنة ١٧٦٩ م، في قولة، من مقاطعة مقدونيا)، هو محمد علي الذي أظهر في المعارك كفاءة و مواهب، فأصبح قائد كتيبة.
و عندما انخرط في الصراع في مصر، تطلّع إلى السلطة. فانحاز بداية إلى المماليك، و بالتعاون معهم هزم الباشوات الأتراك (١٨٠٤ م). و في انتفاضة القاهرة الشعبية ضد المماليك، انحاز محمد علي إلى الثوار، عندما أدرك قوة الحركة الشعبية. ثمّ وقف في الانتفاضة الثانية (١٨٠٥ م)، ضد خورشيد باشا التركي، فأصبح سيد مصر الأول.
ثم ما لبث أن انقلب على المماليك (١٨٠٨ م) و هزمهم. و في سنة ١٨١١ م، قضى عليهم في مذبحة القلعة، و صادر أملاكهم و أوقافهم لمصلحته، كرأس دولة. و بذلك أنهى محمد علي حكم المماليك الذي دام أكثر من خمسة قرون. و تبعه بعد فترة محمود الثاني (١٨٢٦ م) بالقضاء على الإنكشارية.