الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٥٦
و بعد نجاحه الأولي في حملته، و خصوصا التملص من كارثة مؤكدة في حال المواجهة البحرية مع الأسطول البريطاني، و من ثمّ دخول القاهرة بسهولة نسبية، راحت الكوارث تنهال على نابليون في مصر. فهناك وجد نفسه محاصرا- الإنكليز في البحر و المماليك في مصر العليا و الشعب المصري في القاهرة و العثمانيون في بلاد الشام. و حاول نابليون عقد صفقة مع الجزار، و لكنه فشل. فقرّر التحرك إلى فلسطين، استباقا لقدوم الجيش العثماني منها. و دامت حملته في فلسطين ثلاثة أشهر من ٧ شباط/ فبراير إلى ٢٠ أيار/ مايو ١٧٩٩ م، و انتهت عند أسوار عكا المنيعة، و صلابة الجزار في الدفاع عنها، بمساعدة من البحرية البريطانية، بقيادة سدني سميث. و كان نابليون بعد تسيير مشاته، أرسل عدة الحصار- المدفعية و غيرها من العتاد و المؤن- بحرا إلى الساحل الفلسطيني لتصله بعد احتلال الموانىء. لكن البحرية البريطانية اعترضت السفن المحملة و استولت عليها، و أخذت العتاد الذي عليها، و قدمته دعما للجزار، الذي خيب آمال نابليون بصموده و رفضه الاستسلام و استعداده للقتال.
و تقدمت فرق نابليون إلى فلسطين تباعا، و تجمعت عند العريش و حاصرتها، و بعد قتال ضار احتلتها. و من بعدها سقطت خان يونس و غزة من دون قتال يذكر، لأن المماليك فيهما انسحبوا إلى يافا. و رفضت يافا الاستسلام، لكنها احتلت في قتال شرس بعد اختراق أسوارها، و قتل فيها أكثر من ٢٠٠٠ أسير، (و في رواية أخرى أكثر من ثلاثة آلاف)، بأمر من نابليون نفسه، الأمر الذي أثار تململا في صفوف جنوده، تحسّبا لردات فعل السكان، سواء في فلسطين أو مصر. و أصاب الطاعون جيوش نابليون و هي في منطقة يافا و الرملة، لكنه، مع ذلك، تقدم نحو عكا، بينما كانت تناوشه في الطريق جماعات مسلحة من المماليك و القوى المحلية. و بعد احتلال حيفا، حاصر عكا من البر، لكن البحر ظل مفتوحا يؤمن الاتصال مع الأسطول البريطاني. و صمدت عكا، و الجزار فيها، و أغارت عساكره على الفرنسيين و أوقعت فيهم الخسائر. و باءت محاولات نابليون اختراق أسوار عكا بالفشل، و بدأ التذمر يتفشى في صفوف جيشه، لعدم كفاية وسائله لفتح الثغرات في الأسوار و دخول المدينة.
و بينما قواته تحاصر عكا، بعث نابليون فرقة من جيشه إلى صور، فاحتلها، و نصّب فيها حاكما محليا مواليا له، و معه حامية صغيرة. و كذلك أرسل نابليون فرقة احتلت صفد، و أخرى إلى الناصرة فاحتلتها، و ذلك لتأمين الطريق بين عكا و دمشق، و استباقا لدخول جيش عثماني من الشام في اتجاه عكا. و عندما بلغه عبور هذا الجيش