الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٥٣
إلى مصر في خدمة علي بك الكبير، ثمّ إلى بلاد الشام، حيث تحوّل إلى خدمة واليها. و عهد إليه، مع مماليكه، حماية بيروت (١٧٧٢ م)، بإمرة يوسف الشهابي، أمير جبل لبنان. لكنه ما لبث أن تفرد بحكمها، من دون أن يبالي بضغط الباب العالي عليه للانضباط. ثم هرب من بيروت عندما هاجمها الأسطول الروسي، و لجأ إلى ظاهر العمر موقتا، و سريعا انتقل إلى دمشق. و كان في عداد القوة العثمانية التي قضت على حكم الزيادنة. و مكافأة له على قتل ظاهر العمر، عيّن حاكما على عكا. و اكتسب الجزار شهرته بصموده داخل أسوار عكا المنيعة أمام حملة نابليون على بلاد الشام، و بالتالي دوره في إفشال تلك الحملة. و نتيجة ذلك، زاد في تحديه للباب العالي، و عمل على توسيع نفوذه في بلاد الشام، فإصبح واليا على دمشق، في فترات متقطعة، بفضل قوته العسكرية و جبروته، و بالتالي نجاحه في فرض هيبته على الحكام المحليين في بلاد الشام.
و يعبر بروز الجزار و اتساع نفوذه عن هبوط قوة الحكام و الزعماء المحليين في بلاد الشام، و حلول المماليك محلهم، أسوة بما جرى في مصر و العراق. و تفرد هؤلاء المماليك بالسلطة في مناطق ولايتهم، هو تعبير عن ضعف الدولة المركزية، التي في صفوف جيشها نشأوا، و عبره وصلوا إلى مواقع متقدمة. و قد اضطرت السلطة المركزية إلى الاعتراف بهم، لأنهم كانوا أقدر منها على التصدي للقوى المحلية النازعة إلى الاستقلال و الانفصال عن السلطنة. و تميّز حكم هؤلاء الماليك بالعسف و البطش. و كطبقة عسكرية حاكمة، أعادوا البلاد إلى الحالة التي كانت ترزح تحتها في نهاية حكم المماليك البرجية في القرن الخامس عشر. و لأنهم أقاموا جيوشا خاصة من المرتزقة، فقد احتاجوا إلى أموال طائلة لتسديد نفقاتهم و استرضاء عساكرهم، فأسرفوا في فرض الضرائب و استعمال القوة لجبايتها، الأمر الذي أرهق كاهل الناس و أفقرهم.
و الإيجابية الوحيدة لحكمهم كانت التصدي للغزو الخارجي، و من موقع المصلحة الذاتية، كما فعلوا في مصر و فلسطين في أثناء حملة نابليون، و كما فعل أقرانهم القفقازيون في العراق تجاه حكام إيران.
و ما لبث الجزار أن استقر بعكا (١٧٧٥ م)، حتى راح يوسع نفوذه. ففي سنة ١٧٧٦ م أخذ ولاية صيدا، و توجه فورا إلى تصفية بقايا الزيادنة، فأخذ قلاعهم، الواحدة تلو الأخرى- شفاعمرو و صفد و دير حنا .. إلخ. و كان أشدّ أبناء ظاهر العمر صلابة في مقاومة الجزار، علي، الذي تحصن في قلعة دير حنا، إلى أن هزم. ثم تحرك الجزار ضد مشايخ الشيعة في جبل عامل، فقتل الشيخ ناصيف نصار، و أخذ منه مدينة صور، ثم أخذ بيروت من أمير جبل لبنان، يوسف الشهابي، و عزله، و نصّب