الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٤٦
العالي، استصدر والي دمشق، أحمد كوتشوك، فرمانا من السلطان مراد الرابع بتجريد حملة ضد فخر الدين و سحقه. و بينما توجهت القوات برّا، فرض الأسطول العثماني، بقيادة القابودان باشا (قائد الأسطول) جعفر، حصارا على سواحل لبنان لقطع أية مساعدات أوروبية عن الأمير المتمرد.
و عندما أصبح وضع فخر الدين مهددا، حاول المراوغة مع الباب العالي، فعرض تسليم صيدا و بيروت، بينما أرسل مطرانا مارونيا إلى أوروبا لتجنيد الدعم له.
و عندما يئس، هرب و اختبأ في مغارة (١٦٣٣ م). و في السنة التالية، ألقي القبض عليه مع ولديه، و حملوا إلى إستنبول، حيث أعدموا (١٦٣٥ م). و لكن طموح خلفائه من المعنيين بالتوسع في فلسطين لم يتوقف. و عاد أخوه (١٦٥٣ م) و احتل سنجق صفد.
و مع تقلص إمارة المعنيين، عين الباب العالي حكاما عثمانيين من الإنكشارية في السناجق التي انتزعت منهم. و في فلسطين، ظل أبناء طراباي يحكمون اللجون، و أبناء فروخ نابلس. و على العموم، شهدت البلاد اشتداد قبضة السلطة المركزية، عبر الإنكشارية و الحاميات التركية التي أرسلت إليها، أيام مراد الرابع و الوزراء من آل كوبريلي. لكن الفساد كان قد تغلغل داخل الإنكشارية أنفسهم، الأمر الذي أدّى إلى تغييرهم خلال فترات قصيرة من الحكم، و بالتالي تفاقم حالة عدم الاستقرار في السناجق المتعددة.
و إزاء تدني قوة الإنكشارية و طغيان فسادهم، راح الحكام المحليون يجندون جيوشا من المرتزقة، من أجناس متعددة يستعملونها مداورة لفرض سلطتهم على الناس و لجباية الضرائب و حماية قافلة الحج. أمّا بالنسبة إلى السلطنة بصورة عامة، فإن صدّ الإنكشارية على أبواب فيينا (١٦٨٣ م)، في أيام محمد الرابع (١٦٤٨- ١٦٨٧ م)، كان مؤشرا واضحا على تراجع قوة العثمانيين إزاء أوروبا. و كان عقد معاهدة كارلوفيتس في ٢٦ كانون الثاني/ يناير ١٦٩٩ م منعطفا خطيرا في موازين القوى بين أوروبا و العثمانيين، تحت حكم مصطفى الثاني (١٦٩٥- ١٧٠٣ م). ففي تلك المعاهدة، اضطر السلطان إلى التنازل عن أراض واسعة في البلقان. لكن الأهم هو تحوّل الامتيازات التي منحها ملك فرنسا على يد سليمان القانوني (١٥٣٥ م)، فمن موقع القوة، أصبحت الآن لزاما على السلطان، و حقا للدول الأوروبية المتعاظمة القوة. و في تلك المعاهدة، طالبت روسيا بإدخال الأماكن المسيحية المقدّسة تحت حمايتها، و كذلك المسيحيين الأورثوذكس كلهم، كما طالبت بأن يعفى هؤلاء من الضرائب، و بأن لا يسري عليهم القضاء الشرعي الإسلامي.
و منذ بداية القرن الثامن عشر، راحت أوضاع السلطنة العثمانية تتدهور بوتيرة