الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٤٣
الناس لسوء أحوالهم الاقتصادية، و انضم إليه حاكما صفد و القدس. و بعد قمع التمرد، و قتل الغزالي، أحكم العثمانيون قبضتهم على الولايات و حكامها، و راحوا يستبدلون الزعماء المحليين بآخرين عثمانيين، و بالتالي رفدهم بحاميات عسكرية (سباهي)، لحفظ الأمن و جباية الضرائب.
و بعد قمع هذا التمرد، ساد الهدوء في البلاد، و تمّ ضبط الأمن على الطرقات، و خصوصا «طريق الحج». و جرى تنظيم الإدارة العسكرية و المدنية بالصيغة التي وضعها سليمان القانوني. و قسمت الأراضي إلى إقطاعات عسكرية. و أصحاب هذه الإقطاعات، بحسب حجمها و دخلها، كانوا ملزمين بتجنيد عدد معين من الفرسان (السباهي)، للأمن و جباية الضرائب في الأحوال العادية، و للالتحاق بجيش السلطان عند الحرب. و للسباهية في كل إقليم «علم» (لواء- سنجق) يجمعهم. و هم يخرجون إلى الحرب بقيادة «السنجقدار» (حامل اللواء)، أو «أمير اللواء»، الذي يعين بقرار من السلطان. و العلامة المميّزة له «الصولجان»، الذي على رأسه كرة ذهبية، و تحتها ذيل حصان. و خلال العقد الأول بعد احتلال البلاد، استكمل العثمانيون، في أيام سليمان القانوني، التنظيم الإداري- العسكري للمناطق المحتلة. و قد أقرّ دستور ولاية الشام، و من ضمنها فلسطين، في «القانونامة»، الذي أصدره سليمان (١٥٤٨ م).
و انعكست التنظيمات الإدارية و العسكرية و الأمنية التي وضعها سليمان القانوني، إيجابا على بلاد الشام، بعد الفوضى التي سادت فيها خلال المرحلة الأخيرة من حكم المماليك، و امتدت إلى السنوات الأولى من الاحتلال العثماني. و تفيد الإحصاءات المتوفرة من العقد الأول للحكم العثماني، أن عدد سكان فلسطين تضاعف، و وصل نحو ٠٠٠، ٣٠٠ نسمة. و قد توزع ربع هؤلاء تقريبا على ست مدن، هي: القدس و الخليل و غزة و الرملة و نابلس و صفد. أمّا بقية السكان فتوزعت على الريف، سواء في القرى الزراعية، أو مضارب البدو. و نتيجة الاستقرار، و انتظام الإدارة و ثبوت الأنظمة، تحسن الإنتاج الزراعي، النباتي و الحيواني، و تطورت بعض الصناعات الزراعية و الحرفية. و كذلك، نتيجة استتباب الأمن على الطرق، تحركت التجارة، و نشطت حركة الحج إلى الأماكن المقدسة. و لكن هذا كله لم يعمّر طويلا.
فعلى الرغم من الدستور (القانونامة) الذي أصدره سليمان، و الذي تناول تنظيم مجمل نواحي الحياة و الحكم و التقسيمات الإدارية و المالية في الإمبراطورية المترامية الأطراف، فإنه بعد موته، راحت الأمور تتخذ منحى التراجع. لقد أصاب السلطنة العثمانية ما أصاب سابقاتها من الإمبراطوريات العسكرية، المتعددة الأعراق و الواسعة الأرجاء، حيث عوامل الفرقة كانت أكبر من عناصر الوحدة. و لأسباب ذاتية