الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٤٢
حربا مع روسيا. و بموت سليم، تولى السلطنة من بعده ابنه سليمان (١٥٢٠- ١٥٦٦ م)، الملقب «قانوني»، نظرا إلى القوانين التي أصدرها في شؤون تنظيم الدولة، و التي عمل على صوغها و تصنيفها إبراهيم الحلبي. و في أيام سليمان، بلغت الإمبراطورية العثمانية ذروة اتساعها و ازدهارها. فقد امتدت على ثلاث قارات، و ورثت الخلافة العباسية و الإمبراطورية البيزنطية على حد سواء، و أصبحت «إسطمبول»، بعد دمشق و بغداد و القاهرة، مركز العالم الإسلامي. و لكن في هذه الفترة بالذات، و مع اكتشاف أميركا و رأس الرجال الصالح، و بداية النهضة الأوروبية، راح مركز القوة الكوني يتحول إلى الغرب، و راح الشرق يتراجع إلى الوراء.
و على العموم، لم تلق القوات العثمانية مقاومة تذكر في زحفها على مصر، عبر بلاد الشام و فلسطين. فنيابة صفد استسلمت للسلطان سليم و هو لا يزال في دمشق، و لحقت بها نيابتا القدس و غزة. و التحركات التي قام بها بعض مشايخ البدو و الزعماء المحليين، بهدف تحسين أوضاعهم، سحقت بسهولة، كما حدث في نابلس، حيث ثار أحد أمرائها على السلطان سليم عندما عزله. و بداية تبعت فلسطين ولاية الشام (شام شريف). و كان العثمانيون قد قسموا بلاد الشام إلى ثلاث ولايات: الشام و حلب و طرابلس. و جعلوا فلسطين أربعة ألوية- «سناجق» (جمع سنجق)- و هي: صفد و نابلس و القدس و غزة. و في كل لواء (سنجق) عدد من الأقضية- «نواح» (جمع ناحية). فضم لواء صفد النواحي: صفد و الشقيف و تبنين و صور و عكا و طبرية. و لواء نابلس ضم: جبل شامي (عيبال) و جبل قبلي (جرزيم) و القاقون و بني صعب و أحيانا اللجون. و لواء القدس ضم القدس و الخليل. و لواء غزة ضم غزة و الرملة و اللد.
و على العموم ترك العثمانيون على رأس هذه التقسيمات الإدارية أمراء و حكاما محليين، الذين أقسموا الولاء للسلطان العثماني، و تعهدوا بحفظ الأمن و جباية الضرائب و تسليمها لممثلي الدولة.
لكن خضوع سكان بلاد الشام للسلطان العثماني لم يكن يعني الاستكانة التامة للحكم الجديد. فهذا الحكم لم يغير الأوضاع كثيرا، و خصوصا الاقتصادية. كما أن الحكام و الزعماء المحليين، الذين تعودوا على سلطة المماليك «المنفلشة» في أيامها الأخيرة، لم تعجبهم قبضة العثمانيين القوية. فانتهزوا فرصة موت سليم الأول، و صدور التنظيمات الإدارية الصارمة التي أصدرها سليمان القانوني، و تمردوا على الباب العالي (دار السلطنة). و قام بأول تمرد والي دمشق، الغزالي و هو من المماليك الذين قاتلوا سليم الأول، ثم التحقوا به، فكافأه السلطان بولاية بلاد الشام. و رأى هذا الفرصة ملائمة لرفع نير العثمانيين عن كاهله، مستفيدا من حالة التذمر العامة بين