الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٤
ثانيا: العصر الحجري الوسيط (الميزوليت)
العصر الحجري الوسيط هو مرحلة انتقالية بين نمطين أساسيين من التنظيم الاقتصادي: الأول جمع الغذاء، و الثاني إنتاجه. و بعض الباحثين لا يعتبره عصرا قائما بذاته، فمنهم من يلحقه، كمقدمة للثورة الحضارية، بالعصر الحجري الحديث (النيوليت)، و منهم من يقسمه إلى مرحلتين، فيلحق الأولى بالباليوليت الأعلى لتشكّل نهايته، و الثانية بالنيوليت مشكّلة بدايته، التي تراكمت فيها الخبرات الإنسانية ممهّدة لما يسمى الثورة الحضارية في النيوليت. و في فلسطين قامت في هذا العصر حضارة زراعية بدائية، هي النطوفية، نسبة إلى وادي النطوف، في جبال القدس الجنوبية- الغربية.
و مرة أخرى، عاد الباحثون إلى الأسباب الكامنة وراء تبدل الأدوار الحضارية بين أوروبا و الشرق الأدنى، و برز مجددا التفسير المناخي. فقد تراجع الجليد في نصف الكرة الأرضية الشمالي نحو المناطق القطبية، و تراجعت مع الجليد الغابات، و تبعتها الحيوانات المفضلة للصيد، التي تعقبها الصيادون و خصوصا غزال الرنة؛ و هكذا اختفت في أوروبا الجنوبية و الغربية الحضارة المجدلانية الغنية. أمّا في نصف الكرة الجنوبي، فمال الجو إلى الدفء، و ظهر غطاء نباتي جديد، و بالتالي عالم حيواني جديد، استغل فيه إنسان الشرق الأدنى القديم الأوضاع المناخية المواتية على أحسن وجه، و طوّر حضارته المادية و الروحية.
و هجر هذا الإنسان المغاور و الكهوف، و انتقل إلى السهول و الوديان، حيث نمت أنواع من الحبوب بريّة، كالقمح و الشعير، و عاشت حيوانات تفضل المناخ الدافىء، كالغنم و الماعز و البقر. و بتفاعل جدلي تقدمي بين إنسان الميزوليت و بيئته، نظم هذا الإنسان عملية استغلال البيئة بصورة واعية و متقدمة من سلفه، فطوّر أساليب عمله انطلاقا من قاعدة أن «الحاجة أمّ الاختراع». و استقر هذا الإنسان بانتقاله إلى مواقع وجود هذه النباتات و الحيوانات، حيث أقام مساكنه البدائية فيها، و برمج حياته على أساس الإفادة الدائمة منها، و أنشأ قرى الصيادين الأولى التي انتشرت في طول المنطقة و عرضها.
و في مواقع استقراره، و مع تزايد أعداده، راح هذا الإنسان يعنى ببناء مساكنه، و رفع مستوى حياته الاقتصادي و الاجتماعي، عبر تأمين أسباب عيشه في محيطه، الأمر الذي استلزم تنظيما اجتماعيا، و تخصصا في العمل داخل الجماعات. و هكذا وفر الشرق الأدنى لهذا الإنسان الموطن الطبيعي المثالي، من حيث اعتدال المناخ،