الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٣٧
الفصل الخامس العصر العثماني
أولا: الاحتلال العثماني
منذ تأسيس سلطنة روم السلجوقية في القرن الحادي عشر الميلادي، ظلت جماعات و قبائل تركية ترد إلى آسيا الصغرى، تتوغل في أراضيها و تستقر حيث تستطيع، و تعمل على العموم في خدمة السلطان. و كانت المناطق الحدودية تشكّل بالنسبة إلى هذه القبائل و الجماعات بؤرة جذب، إذ كانت تمارس منها «الجهاد» ضد البيزنطيين، و توسع أراضيها و تبني قواها، فاكتسب مقاتلوها لقب «غازي». و قد تكثف هذا السيل التركي خلال القرن الثالث عشر، تحت ضغط الزحف المغولي، الأمر الذي دفع قبائل تركية إلى التحرك غربا، هربا من التنكيل المغولي البربري. و من هذه الجماعات كان الأتراك العثمانيون، على اسم مؤسس السلالة عثمان بن أرطغرل، الملقب غازي عثمان (١٢٩٩- ١٣٢٦ م)، و الذي أقام في بداية القرن الرابع عشر الميلادي دولة حدودية، شغلها «الغزو» في أقصى الشمال الغربي من آسيا الصغرى، على حدود أراضي الإمبراطورية البيزنطية.
في تلك الزاوية من آسيا الصغرى، و من مركزه في أسكيشهر (دوريليوم)، شنّ عثمان هجماته على القلاع البيزنطية الحدودية، و حقق نصرا على حكامها في معركة قويون حصار (١٣٠١ م). و عندما سقطت ينيشهر (ميلانجيا) في يده و جعلها مقر نشاطه، فقد قطع طريق الاتصال البري بين المدينتين الكبيرتين: نيقيا (إزنك) و بروسا (بورصة).
و في سنة ١٣٢٦ م، استطاع أورخان، ابن عثمان و وارثه (١٣٢٦- ١٣٥٩ م)، احتلال بروسا، فنقل مركزه إليها بعد موت والده. و في سنة ١٣٣١ م احتل نيقيا، و من بعدها نيكوميديا (إزمت) في سنة ١٣٣٧ م، و بذلك أصبح شاطىء البوسفور الشرقي كله تحت سيطرته. و ببروزه هذا، استطاع أورخان أن يضم إليه عددا من الولايات التركية المجاورة، رأى حكامها في مصلحتهم التعاون معه، لما يحققه لهم ذلك من طموحات تساورهم. و يعتبر أورخان مؤسس الدولة العثمانية الحقيقي. و عند موته (١٣٥٩ م)، خلّف أورخان وراءه دولة واسعة، تملك جيشا قويا و منظما، و لها إدارة متقدمة عن غيرها من الولايات التركية الأخرى، و الأهم أن لديها مشروعا توسعيا طموحا.