الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٣٣
و الاستئثار بالحكم، طور المماليك البرجية «الخشداشية» (رفقة التربية في الطباق)، و التي تدهورت لاحقا لتجعل من أعضائها عصابة، تدعم هذا الأمير أو ذاك، و تتناحر على السلطة و الجاه و المال.
و تميّزت فترة حكم المماليك البرجية بالفساد، و من قمة هرم السلطة إلى قاعدتها. و عرف الكثيرون من السلاطين بالجهل و العسف، فكان منهم من لم يحسن الكلام بالعربية، و من لا يفقه من علوم الدين شيئا. و أمّا نشاطهم العمراني، و كذلك صراعاتهم و شراء الذمم، فقد اضطرتهم إلى البحث عن مصادر المال بالوسائل كلها.
فزادوا الضرائب و احتكروا الأسواق (الطرح) و صادروا المحاصيل و ظلموا الناس و استبدوا بهم، ففرت أعداد منهم إلى الريف و الجبال. و كما نالت فلسطين قسطها من محاسن الحكم الملوكي، كذلك طالها نصيبها من مساوئهم. و منذ بداية القرن الخامس عشر، راحت أحوالها تسوء بصورة عامة. و لكنها شهدت فترة من الهدوء و الانتعاش النسبي في أثناء سلطنة بارسباي (١٤٢٢- ١٤٣٨ م)، و خلفه جقمق (١٤٣٨- ١٤٥٣ م). و في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، تردى الوضع كثيرا في بلاد الشام، و زاد ظلم المماليك في الناس بذريعة الحرب مع «العثمانيين». و كان الناس ينتظرون خلاصهم من ظلم المماليك على أيدي الأتراك من بني عثمان.
بعد التراجع الكبير الذي أصابها في أثناء الاحتلال الفرنجي، عادت الكثافة السكانية العربية في فلسطين و تعززت في العصر الأيوبي، لكنها بلغت حدودا أكبر أيام المماليك الأولى. ففلسطين، أسوة ببلاد الشام كلها و مصر، استقبلت أعدادا كبيرة من المهاجرين، العرب و سواهم، و من الطبقات و الفئات الاجتماعية المتعددة، الذين اضطرهم الغزو المغولي البربري إلى البحث عن ملجأ آمن من التنكيل، فشكّلت الأراضي الواقعة تحت حكم المماليك بؤرة جذب إلى هؤلاء. كما أن إعادة بناء مدن الداخل الفلسطيني، و توزيع أراضي الفرنجة على مالكين جدد، و الازدهار الذي نعمت به البلاد، و خصوصا القدس و صفد، جلبت إلى البلاد أعدادا كبيرة من السكان. غير أنه منذ منتصف القرن الرابع عشر، عادت هذه الكثافة السكانية إلى التراجع، و ذلك لتضافر عوامل سلبية، ذاتية و موضوعية. فتدهور أوضاع الحكم المملوكي عامة، ترافق مع سلسلة من الكوارث الطبيعية- الوباء و القحط- ليكبح النمو السكاني، و ليفرض عليه انحسارا كبيرا، تقلص بسببه عدد السكان في البلد كثيرا.
و الطاعون الذي ضرب العالم كله في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، أصاب الشرق و اقتصّ ضريبة عالية جدّا بالأرواح. و تذكر المصادر العربية تفشي هذا المرض في القرن الخامس عشر مرات عدة في السنوات ١٤٣٨ و ١٤٦٩ و ١٤٧٦