الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٣٢
أيام غازان خان محمود، الذي في أيامه اعتنق المغول الإسلام. و كانت تلك الغزوة الأخيرة الخطيرة التي قام بها المغول ضد المماليك. و بعدها راحت مسألة تحالفهم مع الفرنجة تتراجع، و إن لم تنقطع تماما. و في المقابل، راحت العلاقات بين المماليك و بيزنطة تتوثق، بعد أن كان قلاوون قد أقامها، في إثر انتصاره على المغول (١٢٨٠ م). و في تلك الغزوة، ضرب المغول شمال سورية، و دخلوا دمشق، ثم رحلوا عنها. و بعد ثلاث سنوات (١٣٠٢ م)، هزم المغول للمرة الأخيرة في مرج الصّفر بالقرب من دمشق. و لم يجرؤ بعدها أحد من ورثة غازان على مهاجمة دولة المماليك.
و الناصر محمد، السلطان الأعرج، قصير القامة، عرف بحبه للحياة السعيدة و التبذير. و في أيامه، وصل حكم المماليك إلى الذروة في أعمال الفن و العمارة.
فأسرف في إقامة الأبنية المتعددة: قصور و مساجد و مدارس و رباطات و قنوات ماء، و غيرها. و قد أدّى ذلك إلى إفراغ خزينة الدولة، فعمد الناصر إلى زيادة الضرائب و إعادة توزيع الأراضي و تشجيع التجارة، للحصول على الأموال. لكن هذه الإجراءات كانت ذات أثر موقت فقط. و بعد موته، انفجرت الاضطرابات الداخلية، بين المماليك و الناس، من جهة، و بين هؤلاء أنفسهم، من جهة أخرى. و زاد الأمور سوءا القحط الذي أصاب البلاد، ثم تبعه الطاعون. و هذا الوباء الذي أصاب أوروبا و خربها (١٣٤٨- ١٣٤٩ م). لم يوفر الشرق. و في مصر استمر نحو سبعة أعوام، حصد خلالها أرواح مئات الآلاف، بل الملايين، كما يؤكد مؤرخو العصر. و ما عدا فترات قصيرة بعد الناصر، حيث صادف قيام سلطان نشط، كانت المرحلة اللاحقة لموته في تدهور مستمر، و ظلت دولة المماليك تنتظر قيام دولة قوية تنهي وجودها المقيت.
و انتقال الحكم من المماليك البحرية- الأتراك- إلى المماليك البرجية- الشراكس (١٣٨٢ م)- على يد السلطان الظاهر سيف الدين برقوق، لم يعدل الأوضاع، بل زادها سوءا. و اعتراض البرجية على وراثة السلطنة لم يوصل إليها الأفضل دائما، و إنما في الأغلب الأقدر على حبك المؤامرات و الاغتيال و شراء الأتباع، و شتى صور التحايل. و في عهدهم تواترت الانقلابات، و عمت الفوضى، فاضطرب الأمن و ساءت أحوال الناس. و من ضمن ثلاثة و عشرين سلطانا برجيا، حكموا لمدة ١٣٤ عاما، حكم تسعة منهم ١٢٤ عاما و هم: برقوق و فرج و المؤيد شيخ و بارسباي و جقمق و إينال و خوشقدم و قايتباي و قانصوه الغوري. و بذلك يكون معدل حكم الآخرين أقلّ من عام واحد. و في سعيهم لقطع الطريق على وراثة السلطنة