الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٢٥
بؤرة للتآمر من أجل الوصول إلى الموقع الأول.
لقد تمكن المماليك من إنقاذ مصر في اللحظة الحرجة. فالحملة الصليبية السابعة أفلحت في احتلال دمياط و التقدم نحو القاهرة، بينما الصالح أيوب على فراش الموت، و الصراعات بين الأيوبيين محتدمة، و التناحر بين قادة القطاعات المملوكية مستشرية. و في ساعة الشدة، مات أيوب. و إزاء الخطر الداهم، حزم المماليك أمرهم، و استشرسوا في قتال الفرنجة، فهزموهم. و برز في هذا القتال بيبرس (البندقداري)، المؤسس الحقيقي لدولة المماليك. و منذ أيام أيوب كان المماليك قد تغلغلوا في مواقع السلطة، و أصبح الأمر في أيديهم. و بعد موته، فقدوا الشرعية للحكم، فنصّبوا طورانشاه ابنه سلطانا اسميا. و عندما عمد هذا إلى كبحهم و فرض هيبته عليهم، قتلوه، و نصّبوا شجرة الدر سلطانة، لمدة ثمانين يوما. و بعدها انتقلت السلطنة إلى المملوك عز الدين أيبك (أتابك العساكر)، الذي تزوجها، و استحوذ على السلطنة منها (١٢٥٠- ١٢٥٧ م). و تآمرت شجرة الدر عليه و قتلته، فرد المماليك على فعلتها بقتلها.
و في خضم الفوضى بالقاهرة بعد موت الصالح أيوب، و تولي المماليك السلطة، و اندلاع الصراع بينهم و بين أيوبيي الشام، حاول لويس التاسع استغلال الفرصة لمصلحته، بعد أن أطلق سراحه لقاء فدية، و استقر في عكا، تشبثا منه بتحقيق حلمه الذي حفزه إلى القيام بحملته على مصر. و عندما سعى الملك الناصر يوسف، صاحب حلب، و حفيد صلاح الدين، للتحالف مع لويس ضد المماليك، وجدها فرصة، لكنه عدل عنها بعد أن هدده أيبك بقتل الأسرى الفرنجة لديه، و عددهم ٠٠٠، ١٢. و تقدم الناصر يوسف بمفرده إلى مصر، فهزمه أيبك و اضطره إلى التراجع.
فانقلب لويس إلى جانب المماليك، و عقد معهم معاهدة ضد الناصر يوسف. لكن تدخل الخليفة العباسي بين الأيوبيين و المماليك حال دون القتال بينهما، و فوّت على لويس الفرصة. و اعترف الأيوبيون بحكم المماليك في مصر، و اكتفوا بما لديهم في بلاد الشام (١٢٥٣ م). و إزاء هذه التطورات من جهة، و خيبة أمله من التحالف مع المغول، من جهة أخرى، قرر لويس مغادرة عكا و العودة إلى بلاده (١٢٥٤ م).
لكن الإمارات الأيوبية في بلاد الشام لم تعمّر طويلا. ففي هذه الأثناء كان المغول، بقيادة هولاكو، يتقدمون من الشرق في اتجاه بغداد. فحاصروها و دخلوها (١٢٥٨ م)، و خربوها و قضوا على الخلافة العباسية فيها. و كان دخولهم إليها ضربة قوية للحضارة العربية بصورة عامة، إذ ارتكبوا الفظائع، و دمروا المؤسسات و أحرقوا المكتبات ... إلخ. و بعد بغداد، تقدم المغول إلى بلاد الشام، فاحتلوا حلب،