الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٢٠
ففي محاولاتهم استغلال التناقض بين دمشق و القاهرة، نقل الفرنجة الصراع إلى داخلهم أيضا. و بينما مال الهيكليون إلى التحالف مع دمشق، فضل الإسبتاريون التحالف مع مصر، و وقف معهم التيوتون الألمان. و عندما اندلع الصراع مع فريدريك الثاني في أوروبا، و امتد إلى قبرص و فلسطين انحاز إلى الهيكليين مناهضو القيصر، وسعوا لعقد حلف مع دمشق ضد مصر- الحليفة التقليدية لفريدريك. و قاموا بغارات على الخليل و نابلس. و تصدى لهم أيوب، من دون أن يكسر المعاهدة. و لكن عندما اندلع الصراع بين أيوب و كل من إسماعيل و الناصر داود و المنصور إبراهيم، صاحب حمص، انضم الفرنجة إلى أعداء أيوب، الذين وعدوهم بنصيب من ملك أيوب في مصر. و كان إبراهيم قد زار عكا، حيث استقبل بحفاوة، و أبرم الاتفاق. و إزاء هذا التحالف القوي، توجه أيوب إلى عصابات الخوارزمية، و دعاها إلى الدخول في خدمته، و قتال تحالف دمشق- الفرنجة.
و التقط الخوارزميون هذه الفرصة السانحة، إذ كانت كتائبهم تهيم على وجهها في المشرق، تسطو و تنهب و تخرب، و هي هاربة أمام زحف المغول. و في طريقهم إلى مصر، أغاروا على المدن و القلاع و الحصون. و لما قاومت دمشق و صمدت في الحصار، تجاوزوها و تقدموا إلى الجليل، فأخذوا طبرية، و منها تقدموا إلى نابلس فالقدس. و لم يسارع أحد من التحالف إلى نجدة القدس، فسقطت في تموز/ يوليو ١٢٤٤ م في أيدي الخوارزميين، فنهبوها و خربوها، و أحرقوا كنيسة القيامة، و طردوا الفرنجة منها، ضمن اتفاق مع الناصر داود، لم يلبثوا أن نقضوه و انقضوا على قافلة المطرودين و قتلوا الكثيرين من أفرادها، و استكمل البدو في المنطقة المهمة. و بذلك خرجت القدس نهائيا من أيدي الفرنجة، فلم يعودوا إليها بعد ذلك. و عندما التحق الخوارزميون بأيوب، خرج هذا لمقاتلة أعدائه في قرية هربيا (قرب غزة)، و دارت معركة طاحنة في تشرين الأول/ أكتوبر ١٢٤٤ م، كسبها أيوب، و أنزل بأعدائه هزيمة ساحقة. و هناك من يعتبر معركة هربيا حطين ثانية، و يرى في أيوب أحد الثلاثة العظام من بني أيوب- صلاح الدين و الكامل و أيوب. و استبشر الناس خيرا، لكن الأمر لم يدم طويلا.
و تفرغ الملك الصالح نجم الدين أيوب لتصفية الحساب مع باقي أفراد بني أيوب الذين تحالفوا مع الفرنجة ضده. فأخذ أملاك الناصر داود جميعها في فلسطين (الخليل و بيت جبرين و القدس و الأغوار). و نزل دمشق فحاصرها، و استسلم له عمه إسماعيل و المنصور إبراهيم، الذي انضم إليه في دمشق. و بوساطة تجار دمشق و علمائها، أعطى أيوب بعلبك و بصرى لإسماعيل، و حمص و تدمر لإبراهيم، و بقي